07 يوليو, 2009

أفكار فى الثقافة

الصراع بين الذهنى والحسى شهد حالات توتر فى ثقافة البشر عبر التاريخ، وهو فى حقيقته صراع بين نمطين من الإدراك يمثل أحدهما- الذهنى ـ نمط السلطة فى كل أشكالها المركزية، ويمثل الآخر- الحسى- الهامش أيضاً فى كل صوره، ولم يعرف التاريخ فضاء يمزج بينهما بنفس قدر الأسطورة، فالتفكير الأسطورى فى أحد وجوهه طريقة لإدراك العالم وفهمه عبر مجموعة من القيم المختلفة إلى حد التناقض، فالحقيقة والخيال والذهن والحس والذكورة والأنوثة والخير والشر.. إلخ، كل هذا يشكل فضاء الأسطورة، والعلم انحاز للعقل البشرى ورفض التفسير الميتافيزيقى للعالم، ومثلت الحداثة الأوروبية، أو ما يسمونه بعصر الأنوار ذروة انتصار العقل العلمى.

والعقل العلمي بطبيعته تطبيقي وترتيبي ونفعى، يرى الواقع عبر مجموعة من القيم تكتسب قيمتها من قدرتها على الإنتاج والعمل وتحقيق رفاهية الإنسان، ومن ثم قامت عمليات من العزل والتصنيف وإنتاج تخصصات دقيقة فى كافة مجالات العلوم البحتة والإنسانية، ففى الأدب ـ مثلاً ـ ينهمك النقاد فى تحديد قيم الفصل بين الأنواع، وكل قيمة تصبح فى حد ذاتها منهجاً يمكن دراسة النوع على أساسه، كأن تفصل فى الفنون اللغوية بين النثر والشعر، ثم يقسم النثر إلى أنواع منها السرد والخطابة والمقال ، وينقسم السرد إلى أنواع وهكذا حتى نصل إلى تقسيمات داخل النوع الواحد كأن نقول رواية الريف ـ الرواية الاجتماعية ـ رواية الخيال العلمي، وهذه التقسيمات تتم بالتجاور مع تقسيمات أخرى، مثل الرواية الواقعية والرومانسية، والواقعية نفسها تصبح نقدية أو اشتراكية أو اجتماعية الخ حتى لتصبح سحرية ورقمية أخيراً.

إن هذه الذهنية المغرمة بعمليات الاشتقاق والتوليد والتفكيك، هى ذهنية الحداثة الأوروبية التى نجحت فى إبهار العالم بإنتاج معطيات جديدة وصلت إلى حد التخمة المرهقة للذهن نفسه الذى لم يعد قادراً على احتمال هذه الآلية التوليدية التى لا تنتهي، بل ولم يعد قادراً على فهم العالم من حوله، لكن أخطر ما أنتجته هذه الآلية هى التكنولوجيا التى يمكنها التعامل مع الجزيئات والفوتونات والأجسام متناهية الصغر، وأصبح من الممكن رؤيتها فى لحظات انتقالها أو انشطارها أو تولدها بمعنى أنه أمكن التحكم فى صور الطاقة والصورة التلفزيونية تمثيلاً لذلك، يمكنها أن تنقل صورة الأجسام وحركتها بل وتنقل الصوت والضوء بوصفها صوراً للطاقة تم تحولها إلى صور أخرى يمكن التحكم فيها ونقلها فى اختراق مثير لقوانين الزمان والمكان.

لهذا فإن تكنولوجيا الصورة ليست مجرد نقلة نوعية فى سلسة التطور العلمى، بل هى ثورة حقيقية فى تاريخ البشرية مماثلة ـ إن لم تكن أخطر ـ لاختراع الكتابة، وعلينا ملاحظة أن تاريخ الجنس البشرى كله ارتهن بالكتابة، التى بدأت كوسيط لنقل المعلومات أو بمعنى أصح حفظها فى صور ورموز تعيش مع الزمن ويمكن نقلها بين الأماكن ليفيد منها آخرون فى أماكن وأزمنة أخرى، ثم تحولت الكتابة إلى أداة للتفكير، فلم يعد ممكنا أن يتطور الفكر البشرى بدون الكتابة والكتب والمعلومات التى تنقلها إليه، ومن ثم يمكن تثبيتها واسترجاعها وعزلها وترتيبها وتصنيفها، إن أسطورة العقل نهضت أساساً على الكتابة.

الصورة لا تنقل المعلومات فى صورتها المجردة، بل فى صورتها المجسدة، والفرق بين الاثنين تماماً كالفرق بين وصف الجبرتى للحملة الفرنسية على مصر، ومشاهداتنا للحملة الأمريكية على العراق من خلال التلفزيون، فأنت فى الأولى تعيش متعة ذهنية تخيلية فى التاريخ، لأن هذا الواقع الذى نقرأ عنه ، يحدث هناك ، بمعنى أن الكتابة تسجل الفعل بعد أن ينتهى ، وفى الثانية ترى وتحس وتعيش الأجساد والغضب واللهب والدم والحديد لأنه يأتيك فى التو واللحظة متجاوزاً الزمان والمكان، بل ومتجاوزاً قدرات الخيال ومعطلاً له، فالخيال هنا لا محل له من الإعراب. لأن كل شيء يحدث هنا والآن .

هل يمكن تصور أن البشرية سوف تبدأ تاريخاً جديداً مع الصورة، تاريخ محتشد بالحسية وبلا خيال ؟! هذا وارد طبعاً، لكن الأمر قد لايتوقف عند هذا.

2

الفنون الحديثة نقلت الفنان من حالة الفرد الذى يقوم عمله على ما يشبه الحدس أو الإلهام إلى نوع من الأداء المهارى والتقني الذى قد يتطلب الدخول فى سلسلة معقدة من الأداءات الأخرى لفنانين آخرين، خذ مثلاً السينما، فوراء الممثل جيش من الفنانين : المخرج، المصور، المونتير، الماكيير، مصمم الملابس والديكور ومهندس الصوت والإضاءة، كل هؤلاء يعملون فى خدمة عمل فني واحد، يختزلهم الجمهور ببساطة فى صورة الفنان النجم، لان الجمهور مازال يرى الفن كنوع من الإبداع الفردي المقترن بالموهبة، والممثل يجسد هذا النمط، مثله مثل الفنان التشكيلي والشاعر، إنها طبيعة الفنون القديمة التقليدية، لكن الفنون الحديثة، المرتبطة بالتكنولوجيا وثقافة الصورة تتكون فى طبيعة مختلفة تماماً، وسوف تفرض علينا فى المستقبل صياغة تعريفات ومفهومات جديدة للفن والفنان غير تلك التى عاش عليها نقاد الأدب والفن بدءاً من أرسطو وحتى ارنست فيشر وهربرت ريد وربما تحتوى هذه المفهومات الجديدة على تعريفات أدق للفن وعلاقته بالصناعة، فالصناعة والاحتراف طالما كانا عدوين للفن الجيد، لأن النقاد اعتادوا تنقية العمل الفني من كل آثار الذهنية، واعتبروها شيئاً معيباً، فنقاد الشعر العربى القدامى أعابوا الصنعة، وجعلوا الاقتباس والتناص ضعفاً، لأنهم أرادوا القصيدة روحاً بللورية خالصة، فالتصور القديم عن الشعر أنه إلهام خالص من قبل قوى غيبية، وهكذا تختلط صورة الشاعر بالنبي، والنص العادي بالمقدس وهذه القداسة هى التى تمنح الفنان القديم مكانته الاجتماعية، وتمنح نصه سحراً وبياناً، وما علوم البلاغة القديمة سوى لزوم مايلزم لنص يحظى هو وصاحبه بدعم السماء، أما الآن، فإن جيش الفنانين الذى يشارك فى صناعة فيلم ما لا يحظى باهتمام الناس لأن أى منهم لا يشمله ذلك المعنى المقدس للفن، ربما لأن طبيعة العمل الفني الذى يقومون به ارتبط بالتقنية والأداء المهارى والتدريب العملي الشاق، واحترام قيمة العمل الجماعي، وهكذا يتخلق الفن الحديث فى وسيط مختلف.

وإذا كان التطور التكنولوجي سوف يغير من مفهوم الفن وطبيعته فبالتأكيد سوف يغير من وظيفته، واتجاهاته، فالفنون الحديثة لم تعد مجرد استجابة لحاجات جمالية خالصة، بل حتى تجاوزت الوظيفة الأيديولوجية التى راهن عليها نقاد الواقعية فى تأكيدهم على دور اجتماعي وسياسي للفن، فالفنون الحديثة تنقل مستوى الوظيفة من المعنى الكلى والمجرد إلى الحاجات اليومية الصغيرة، كما تنقله من مستوى التفرد والندرة والخلود، إلى نمط المتعدد والعابر والمستهلك. ويظهر هذا بشكل أوضح فى مجالات الفنون التطبيقية التى أصبحت عماد الاقتصاد اليومي لأي منتج ولم تعد مجرد ترفاً أو حيلة تضاف إلى الأشياء، خذ مثلاً جانباً واحداً من جوانب الحياة اليومية، عالم النساء ومستلزماتهن، التشكيلات المتعددة والمذهلة للحلى والمشغولات المعدنية المختلفة، تصميمات زجاجات العطور، تسريحات الشعر، الملابس ولوازمها كالحقائب والأحذية والنظارات، أنتجت التكنولوجيا ملايين التصميمات الجمالية ذات الوظائف المادية والطابع الاستهلاكي، وهذا يعنى أن التطور التقني وضع الإبداع الإنساني فى أفق أوسع، بالتأكيد سيتسع هذا الأفق أكثر وأكثر، والسؤال الآن حول مصير الفنون التقليدية ومكانتها المستقبلية فى هذا الأفق؟

3

اذا كانت طبيعة الفنون الحديثة خاضعة لشروط التقنية وترتبط ارتباطا شديدا بتكنولوجيا الصورة على وجه التحديد، فإنها بالتأكيد سوف تخضع لشروط التقنية، فليس فقط الاداء المهارى والتعدد، والانتشار الواسع وتضاؤل دور الفرد واهتزاز قيمة التفرد، ودخول النمط الاستهلاكى، والانتقال من منطق المقدس إلى منطق العادى، فقد يصبح الفن تلبية لحاجات يومية ويفقد دوره التاريخى في تغيير المجتمعات، فهذا الدور مرتبط بكونه رسالة عظمى ذات قيمة انسانية، وليس مجرد منتوج سلعى يخضع لشروط العرض والطلب فيصبح تابعا للحاجات اليومية العابرة، وانماط الانتاج الأخرى كارتباطه بحركة رأس المال، وامكانية قبوله للاحتكار والدعاية والاعلان، فالفنون الحديثة لا يمكنها ان تعلن عن نفسها عبر الزمن او تضمن لنفسها القبول الاجتماعى الذي عرفته الفنون التقليدية، فالفنون التقليدية تتأكد قيمتها عبر الزمن، اما الفنون الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا كالسينما، وغيرها، فتحتاج إلى آلة دعائية جبارة تصاحبها وتضمن لها أكبر توزيع ممكن في أقل وقت ممكن لضمان العائد المادى السريع، شأنها شأن أي سلعة أخرى.

وهكذا فالفنون الحديثة تأتي بكمية من الأداءات والوظائف والطبائع تتناقض تماما مع ما عرفناه عن الفنون القديمة من قيمة، وهذا الاختلاف الجذرى يغوينا باستبعادها من دائرة الفن اصلا وادخالها في دائرة الصناعة على نحو ما نفعل مع السينما، لكن هذا الاستبعاد غير حاسم، فلا يمكن النظر إلى السينما كصناعة خالصة شأنها شأن صناعة القطارات مثلا، انها بالدرجة الاولى فن، ولا يمكن تجاهل هذا، تماما كما لا يمكن تجاهل اشتباك الصناعة - أي صناعة - مع ما نسميه بالفنون التطبيقية، هناك اذن حالة من التركيب والاشتباك المعقد بين ما هو فن وما هو صناعة، والفصل بينهما غير جائز، ومن ثم فكلمات مثل التلقائية والالهام والكشف تصبح غير دقيقة تماما في تعاملنا النقدى مع الفنون الحديثة على نحو ما نفرط في استخدامها مع الفنون التقليدية، اذ ليس لدينا تفسير لعبقرية ليوناردو دافنشى مثلا - غير الموهبة التي ولدت معه على نحو غامض، كما لم يكن لنقادنا القدامى تفسير لشعرية امرئ القيس سوى مروره بوادى عبقر، وتعرضه بالمصادفة لمس من أحد شياطين الشعر فيه.

ان هذه المرجعيات الغيبية لامكانات الفنان القديم منحته هذه الدرجة من الغموض، كما أشرنا من قبل، وهذا يفسر روحانية الفن ومكانته في سلم القيم العليا، وفى المقابل تولد الفنون الحديثة - الآن - مع الصناعة في رحم واحد وتكتسب قيمها المادية. التى من أهمها قابلية الاستنساخ لدواعى النمط الاستهلاكى ، أى بوصفها سلعة .

نستطيع الآن أن نحصل على ملايين النسخ من لوحة الجيوكندا مثلا ، فالتفرد لم يعد متاحا ولم يعد يمثل قيمة ، وهذا المعنى ينسحب أيضا على الكتابة الأدبية ، ومن ثم تشيع ظواهر التناص على مدى واسع بين الأعمال الأدبية ، ولم يعد تشابه عمل أدبى جديد بآخر قديم يلقت انتباه الكثيرين أو يثير امتعاض أحد ، حتى ماركيز لايخفى رغبته فى كتابة رواية على غرار الجميلات النائمات لكاوباتا وهاهو يفعلها .

فى إطار هذا المعنى نفهم ـ أيضا ـ انتشار ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعا ، ونفهم انتشار المعارض ، وتنوعها ، فثمة معارض للكتب وأخرى للسيارات وللطائرات والأسلحة والملابس بأنواعها والأجهزة الطبية والتكنولوجية ، وحيث تصبح المعارض مناسبة للعرض وصفقات البيع ، وتسهم التكنولوجيا فى إضفاء لمسة فنية على كل منتج جديدة ، خذ مثلا موديلات السيارات . فالمستوى العملى والوظيفى لم يعد هدفا وحيدا فى المنتج الجديث .

ويبقى السؤال الملح هو كيف يمكن التوفيق بين نمطين من القيم المتناقضة؟ هذا هو التحدى الذي تقف في مواجهته الفنون الحديثة، فهل تحتاج الاجابة جهودا أكبر في سبيل التوفيق، ام تحتاج مراجعة لسلم القيم؟