الاثنين، 25 أغسطس، 2008

شارع بسادة

سرد

شـارع بسـادة ( حيث رأى الناس مهرة بيضاء تعدو ، ومسهم سحر عينيها الجميلتين ، فسكنتهم فتنة وضلال ) "ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة ، فمنهم تقتلون وتصلبون ، ومنهم تجلدون فى مجامعكم ، وتطردون من مدينة إلى مدينة " الإصحاح الثالث والعشرون . ق . 1 نحن فى مساء الجمعة ، فى تمام الثامنة والنصف ، وبالتحديد فى تلك اللحظة التى يصدّق فيها الشيخ عبد الباسط ، سنسمع بضع دقات لساعة الجامعة ، ثم . يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار . فى نفس اللحظة تتثائب الجدة ، ربما تكون قد نعست فعلا ، وخطفت حلما أو حلمين قبل بضعة آيات .فقد حصلت على جرعة روحانية تمكنها من الحلم بالملاك الذى يقبلها وهى نائمة ، ذلك الجبان ، الذى كلما أحس بها تفتح عينيها ، يطير من نافذتها المفتوحة ويترك بعضا من ريشه على سريرها . فى تلك اللحظة ، سيكون كل شىء فى النفق معداً لاستقبال الغرباء الذين وصلوا للتو فى قطار هو الأخير . الغرباء يعرفون طريقهم جيداَ حتى فى الظلام . ينزلون بضع درجات من الجرانيت الوردى ، بضع درجات فقط ويصبحون فى قلب النفق تماما ، سيتجهون لليمين فرادى ليخرجوا ، فقط لليمين ، فليس فى اليسار سوى خلاء يسكنه الذين دهسهم القطار يوما ، بعضهم فر إلى خلاء آخر ، وبعضهم عاشوا فيه يعابثون المارة فى الليل أو يتآمرون على سرقة بندقية حارس المحطة البدين ، وفى النهار يحدفون القطار بالطوب كلما صفر وأيقظهم من قيلولتهم . لهذا اعتادت القطارات أن تدخل المحطة ، وتخرج منها فى صمت . فى العادة ، يكون النفق مضاء بمصباح وحيد . وحيد وخافت أيضا ، مخنوق بالتراب والهباب وشخاخ الذباب ، هكذا . فلا أحد من الغرباء يلتفت إليه ، لكنهم ـ الليلة ـ سيرون شيئا مختلفاً يجعلهم يتذكرونه لبضع رحلات ، حطباً مشتعلاً فى قلب النفق يضيئه بقوة ودفء . عندئذ سينظرون إلى المصباح ويجدونه مطفأ تماماً . فى نهاية النفق سنرى العربجية بحناطيرهم متأهبين لاستقبال الغرباء ، ويمكن أن نشم رائحة قديمة لروث وبول معتق . الليلة ، ولظروف استثنائية ، سيدخلون النفق فعلا ، ويبقون قريبين جداً من النار . العربجية مدربون جيدا على التقاط دبيب القطار فلن يخدعهم دخوله أو خروجه فى صمت . يتحركون فى النفق وحوله ، وعيونهم على سلم الجرانيت الوردى فى انتظار الزبائن تهل ، يرفعون أجولة التبن من أمام الجياد ويلقون بها فوق العريشة ، والجياد نفسها ستلتهم فى عجالة ، حفنة أو حفنتين قبل الرحيل . بعد قليل سيخلو النفق تماما ، الغرباء العائدون سيركبون الحناطير ، والفقراء سيمشون على أرجلهم طبعا . العربجية يعرفون أنه القطار الأخير، لهذا لايفكرون فى العودة إلى النفق لمرة أخرى ، هذه نهاية يوم عمل بدأ مع نجمة الصباح . أما العربجى رجب ، فسيبقى قليلا فى انتظار رجلا لم يظهر بعد ، مع أنه جاء خصيصا من أجله . سيغفو قليلا فوق عريشته ، وسيحلم ، مثله مثل باقى العربجية ، بوجبة عشاء دسمة ومضاجعة خرافية تعوض خيباته السابقة . عادة .. عندما يخلو النفق تماما، يعطى ذلك الفرصة للذين دهسهم القطار يوما أن يتجولوا بين أرصفة المحطة ، ويتآمرون كالمعتاد على سرقة بندقية حارسها البدين أو العبث بأذرع التحويل فى حجرة المحولجى ربما يخرج القطار عن مساره المعتاد ، ويذهب إلى مكان بعيد لايعود منه . نفق الغرباء ، مشهد يتكرر كل مرة بتعديلات بسيطة ، لا غرابة فى ذلك ، فهم غرباء هذه البلدة ، الذين عاشوا فيها ، أو الذين يتركونها يوم الخميس إلى قراهم وبلادهم ، ويعودون إليها عندما تنام الجدة بعد بضعة آيات ، أو عندما يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار . هذا موظف السجل المدنى ، ستتعرفون عليه بسهولة ، بدين ، أصلع ، له بنطال واسع يتدلى حزامه تحت كرشه فيترك براحا لخصيتين مصابتين بالدوالى ، مبتسم بلاسبب ، لايكف عن الابتسام حتى لهولاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته ، أوالأطفال الذين سيجهرون باسمه الحركى ـ أبو قليطة ـ فى غفلة من الكبار الذين يحترمونه بالرغم من كل شىء ، سيبتسم وربما يحيهم بإيماءة ثم يمضى مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه ، وحقيبة صغيرة يعلقها فى كتفه دائما ، بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، تفيدة فى كتابة بطاقات الهوية ، والناس عادة تضع فى درج مكتبه شلنا أو بريزة تقديرا لخطه الجميل . مدير بنك ناصر ، يضع نظارة سوداء على عينيه حتى فى الليل فلا أحد يدرى لأى جهة ينظر ، لكن سكرتيرته تعرف جيداً ، أن نظراته تتجه دائما لأسفل . من أجل هذا تنزع الشعرعن ساقيها فى الأسبوع مرتين . مدرب فريق مصنع الغزل ، الذى أحرز هدفاً ـ فى عادل هيكل ـ عندما كان لاعبا فى نادى طنطا ، فدخل التاريخ من غير قصد ، وفاز بصورة فى جريدة المساء ، يشيلها فى محفظته دائما . عادل هيكل يطير فى الهواء ، والكرة تستقر فى المرمى ، هو لايظهر فى الصورة مطلقا ، لكنه حريص أن يقول لمن يراها : أنا الذى شاط الكرة . ثم . من هذا ؟.. آه .. شيخ المعهد الأزهرى فى البلدة ، المنتدب ـ أصلاً ـ من المعهد الأحمدى بطنطا . الحقيقة هو لايعود لقضاء العطلة الأسبوعية بين أهله سوى مرة واحدة كل أول شهر ، وتصادف أنه أمضى أسبوعا كاملا بين أهله . هاهو ينهى أجازته ليعود فى القطار الأخير لأن عليه أن يكون فى صباح السبت بين الشيوخ الأطفال ليذوب بينهم . هو نفسه يشبه الأطفال تماماً ، قصير جداً . ونحيف جداً . وخفيض الصوت جداً جداً . وهو فوق ذلك خجول حتى لايقوى على النظر فى عيون تلاميذه . هذه صفات لايمكن أن تجتمع فى شيخ أزهرى إلا هو ، لهذا ، فإن أحداً لايشعر بوجوده ، لابسفره ولا بعودته ، حتى العربجية المتحفزين لزبائنهم يخطئون وجوده عادة . ربما يفاجأ به أحدهم وهو يهم بالانصراف بعد أن يأس من الفوز بزبون ، وغالباً لن يهتم به ، فالشيخ الصغير لايركب الحناطير إلا نادرا ، وعادة يكون آخر الخارجين من النفق ، يمشى بخطوات متعثرة ملاصقاً للبيوت والأرصفة ينظر للأرض كأنما يبحث عن ظله ، يصل إلى بيته الملاصق للمعهد الأزهرى بعد عشرين دقيقة من المشى بحساب خطواته الصغيرة ، غير أنه فى ليلة مثل هذه ، سيفكر بالتأكيد فى ركوب حنطور ، إنها ليلة باردة ، والطرق موحلة ، وهو حريص على ألا يوسخ ذيل كاكولته التى يبقى فيها لشهر كامل ، قبل أن يعود فى أجازة أخرى . دعونا لاننشغل به ، فهو ليس الرجل الذى ينتظره رجب على أيه حال ، فهذا الشيخ الصغير سيختفى من الوجود تماماً بعد أيام قليلة من تلك الليلة .سيكون رجلنا الذى ينتظره رجب هو الأكثر غربة بين كائنات النفق هذا ، سيكون غريبا حتى عن جسده واسمه . أما شيخنا الصغير ، فسوف يختفى تماما .هو ـ فى الحقيقة ـ كان مهيئا للاختفاء ، سيحدث هذا بعدما اتهمته صاحبة البيت بالتحرش بابنتها القاصر ، طبعا فضيحة ، كان يحتاج لفضيحة حتى يشعر الناس به ، فضيحة ستجعله حديث الناس لبضعة أيام وكأنهم فوجئوا بوجوده بينهم . سيختفى تماما ، لكن الناس ستذكره كثيرا ، كلما مرت فى شوارعهم بنتا بعيون شقيه ، ونهدان لعوبان ، لابد اتعبا الشيخ الصغير كثيرا قبل أن يمسك بهما . هذا القطار كان دائما يأتى بغرباء هذه البلدة ، ذات مرة جاء بولد فى الثانية عشر ، بدين وخجول ، يرتدى شورتا قصيرا وصندلا ، ممسكا بحقيبة من الورق المقوى ، جاء بصحبه امرأة جميلة تشبه هدى سلطان . المصادفات تلعب دورا كبيرا فى حياة الغرباء . ففى العربة الأخيرة من نفس القطار ، جلس رجل وبجواره طفلة خمرية ونحيلة ، بفستان منقوش وقصير ، وشعر كخواتم كستنائية ، سيركب الولد البدين وأمه الجميلة حنطورا ، وستركب البنت النحيلة وأبوها حنطورا آخر ، وستعلب المصادفة دورا جديدا عندما يلتقى الحنطوران فى شارع واحد يقال له شارع بسادة . سيكون أحدهما قد أفرغ حمولته بالفعل ، وراح يستدير ليعود إلى المحطة ، وأثناء ذلك يلتقى الحطنوران ، فيصهل جواد أحدهما على فرسة الآخر ، لكن الولد البدين لن يرى البنت النحيلة إلا بعد بضعة أيام وهما فى طريق المدرسة . ساعتها سيعرف أن البنت لتى أشعلت خياله اسمها زينب سليمان ، وأنها غريبة مثلة ، تعيش مع جدتها فلايسمع لهما حس . وستعرف هى أن وروده وأغانيه التى يدسها فى حقيبتها المدرسية ، ليست سوى دليل على حب مستحيل ، أما الشيء الذى لن يعرفاه أبدا ، أن كل منهما جاء فى نفس القطار . فليس ثمة شاهد على هذا سوى حصان بنى له غرة بيضاء بين عينيه . صاحبه لم يطلق عليه اسما ، لكنه اعتاد يقول له : يانجس . الولد الذي جاء بصحبة أمه ، بدين وخجول ، بحقيبة صغيرة من الورق المقوى ، تكفى لاحتواء أشيائه كلها، فهو بسيط جداً حتى أنه لا يطلب من الدنيا شيئاً ، سوى أن يبقى فى حضن أمه وقتاً آخر ، أن تقبله من شفتيه الممتلئتين قبل أن تلقى وصاياها: ـ عليك أن تأكل جيداً، وتستذكر دروسك أولاً بأول ، أن تسمع كلام الجدة ولا تتعبها.. فى العيد سوف تأتى لزيارته ، وتسعده بحذاء جديد ، وبنطال طويل كما يرغب ، وصندوق الحذاء سوف تهيؤه لتضع فيه الكعك الذي يحبه . ذات صباح استيقظ فوجد نفسه وحيدا مع جدته ، بكى نهارا كاملا .كان يعرف ما للمسافات البعيدة من قسوة . غير أنه كان من الحيطة بحيث احتفظ بعالمه داخله ، فرسم شوارع وبنى بيوتا وجعل ناسا يسكنونها . صعد سلما خشبيا ، ووجد فوق سطح البيت حجرة وفرنا وأشياء أخرى لايعرف من أتى بها هنا ، هناك جلس ، وكتب رسالته الأولى إلى أمه . قال لهـا : لا تنسـى مجـلاتــي. وألبــوم صوري الذى تحت المرتبة . كان بريئا فصدق أنها ستزوره فى العيد ، كان بريئا فلم يصدق أنها ستنساه لبضع سنين ، بعدها عادت فرأته شابا غريبا وفى صوته شجن ، فأدركت أن البنطال الذى اشترته لم يعد على مقاسه . أما هو ، فكان قد رسم صورتها فى خياله ثم ثبتها جيدا حتى لايغيرها الزمن ، سيظل يذكر أن فستانها كان أخضر ، والحزام الأحمر كان مشدوداً على خصرها النحيل ، ووردة حمراء ـ أيضاً ـ على صدرها تتفتح فى كل يوم ورقة ، وحين تنحني لتقبله ، فإن شعرها الأسود المضمخ بزيت الياسمين ينزلق عن كتفيها ليلامس وردتها. قال أيضاً فى رسالته الأخيرة . أتمنى لو تموت الجدة ، فرائحة فمها نتنة ، وأصابعها الجافة لا تتوقف عن العبث بشعري ، وحين تأخذني فى حضنها ، أشم رائحة العجين الحامض. كتب الولد رسالته الأخيرة وبللها بدموعه ربما يحنن قلب أمه ، هده الشوق فدخل عالمه ونام . كلما هده الشوق نام وحلم بشوارع وبيوت وناس يسكنونها . ( يحسن للأولاد فى سنك أن يصادقوا أحداً، أنت والله غريب ،لاتبق محدقاًً هكذا فى صورك التي ترسمها فى حجرة الخبيز، ثم أنها حجرة مهجورة وربما محوية يسكن فيها شيطان ). خاف الولد من الصوت الذى حادثه ، تلفت يمينا ويسارا ، لم ير أحداً ، كان الصوت هادئا وحنونا شبيها بصوت أمه ، غير أن الولد كان كان خائفا فعلا حتى أنه ارتعد وتفصد عرقا وسمع كطنين النحل فى أذنية ، فجرى إلى جدته وارتمى فى حضنها فوضعت يدها على رأسه وقرأت شيئا حتى تثائبت ، وفى تلك اللحظة ، لمحت الملاك الذى يقبلها وهى نائمة يفر من الشباك فأدركت أنه جاء هذه المرة من أجل الولد . وربما سيصير صديقا له . هذا الولد صادق الملاك فعلا ، وساعده على ترتيب حجرة الخبيز فهيأها له على قد خياله ، ثم أوقد فى سقفها الشموس والأقمار ،وأوحى له أن احفر الوجوه على حوائط الطين وحادثها فإذا أعجب بها الله سيمنحها أرواحا ملونة . رسم الولد وجه أمه . جعله جميلا كما يظن ووضع بجانب فهما حسنة . هز الملاك رأسه وقال : إنها ليست كذلك . قال الولد : ولكنى أحبها كذلك . فقال الملاك : ولكنك لاتحبها بما يكفى لتكون حقيقة . بكى الولد حتى أبكى الملاك معه . الجدة تقول .إني أشبه أمي ، أنكر الجميل مثلها ، وأعض اليد التي تطعمني ، وهى التي أخبرتني يوماً ، أن دودة نجسة فى فرج أمى تلتهم الرجال ، هذه الدودة هي التي قتلت أبى، مصته حتى جف على عوده . قالت : أنس أمك .. أعتبرها ماتت . أمي تجلس على ركبتيها ، لينحسر الفستان قليلاً ، وتبقى وجهها الجميل قريباً من وجهي. ـ عندمــا تكبر ستعـــرف ، فقــــط لا تنس أنك ابني .ابني أنا .أنظر عندئذ ترفع حريرها ، سيفوح عطر ، وتطير فراشات ، وتسطع شموس ، تبرق لآلئ صغيرة تخطف الأبصار ، ويسمع خريراً بعيداً وغناء. ـ هذا جرح بعرض البطن ، جاء إثر ولادة قيصرية ، والرجل الذي رأيته فى سريري أحبني كما أحبني أبوك . أنظرُ فأجد أخوة كثيرين لا أعرفهم . الولد السمين أصبح الآن رجلاً، فقدر على مواجهة الموت ، دخل المغسلة وأشِرف بنفسه على وضع اللمسات الأخيرة فى لوحته الأولى ، وعندما انتهى ، تحسس بأصابعه جرحا ً طويلاً بعرض البطن ، فوجده مازال ملتهباً ، وناتئاً. فى الجنازة سيصافح امرأة خمرية ونحيلة ، سيذكرها بأيام المدرسة ودروس الحصص الخصوصية ورحلة القناطر فى شم النسيم . وورود وأغان دسها فى حقيبتها المدرسية .لكنه لن يكاشفها بلحظات اشتهائه الأولى لها ، فيما بعد ، سيتعلم كيف يكتب ذلك على الورق ، غير أنها لم يحدث أن قرأته ولو لمرة واحدة . الولد الذي جاء بصحبة أمه ، بدين وخجول ، حتى أنه لا يقدر على رفع عينيه فى الأولاد كلما راح أو جاء ، وحقيبة كتبه تتأرجح على كتفه الصغير بحمل ثقيل، الأولاد الذين كلما رأوه ، جروا خلفه يهتفون بحماس وكأنهم يحررون أنفسهم من الموت : ـ ابن الحلوة أهه. الولد الذى أصبح رجلا ، لايدرى كيف فقد ألبوم صوره الأولى ؟ فراح يمشى فى الطرقات والشوارع القديمة ، يبحث عن وجه يعرفه ، أو جمال قديم فى وجه امرأة مرت به ، كان مرصودا للعشق ، وممسوسا بالجمال . فمن يحرر نفسه من الجمال ؟ 3 ساحكي لكم عن بنت اسمها مارسا بضفيرة واحدة ، وعينين بنفسجيتين، يفاجئها الحيض وهى على دكة المدرسة تجلس، والبنات ينطلقن فى أعقاب رواحها دون أن يلمسن رخاوتها. فى ذلك اليوم ، وفى طريق عودتها قابلت عفريتها للمرة الأولى، فظل يطاردها خمسين شهراً قمرياً وتروغ منه فى حدائق روحها ، حتى إذا فاجأها يوماً على سلم البيت ، كان القمر فى اكتماله ، ويسقط ضوءاً رائقا ً من فتحة صغيرة فى جدار ، مساحة من الضوء تكفى ليتألق بنفسج العينين ، لما رأت ظله يلامس ظلها ،ثم يحجب كل منهما الآخر ، لحظة ..كتلك التي أسميتها لحظة الصمت المباغت ، صمت يليق بإنصات دقيق لتسمع غناء وحشيا وسحيقا، فى لحظة كهذه تراخت وقالت ..أدخلني يا على .. فدخلها غير هياب ولا مقتحم ، دخولاً هيناً يليق بابنة العشرين . ولما يزيد عن عشرين أخرى ، ظلت تترقب اكتمال القمر فوق صحن الدير الذى وهبت له نفسها ، ليدخلها فى أول الليل ويغادرها فى الصباح بعد أن يشعل شمسها ، حتى خافت يوماً ألا يعود فأحكمت سدادتها عليه ، واحتفظت له بمرة أخيرة تأتيها مفاجئة كالموت فلا يمكنها أن تقاوم. هل كانت تحتاج لمؤامرة من نوع كوني يبدأ بانقطاع الكهرباء لتخرج عفريتها لمرة أخيرة ؟ ثم ترقب من فتحة جدارها اكتمال القمر، وتتخيل أنها فى ركن سلم بيتها القديم تقبع لعله يعود . يا للمرأة التي تنسج أسطورتها عبر دخان ونار .. كان عليها أن تغسل عن جسدها عشرين عاماً من الوجع القديم بضوء شمعة ودخان ، وظلال جسد وماء ،وموسيقى ذات طبول وحشية ، وفتى أسمر فى قاع الوادي يلوح لها من بعيد ، وصدى... 4 كانت مدرستنا فى آخر حدود المدينة ، وكنا نحب أبله ذكية ونكره الأستاذ رزق الله ، كنا أصغر من أن ندرك أن الثعالب حيوانات ماكرة هكذا ، فنهرب من حصة الأستاذ رزق الله ، ولا نعود للبيت إلا متأخرين ، نمشى حتى البراري ، هناك بعيداً ، وراء أرض أبى خليفة ،هناك لن يرانا أحد فى أرض تغطيها الحلفاء . الملائكة ـ طبعا ـ ستبقى فى المدرسة ترافق الذين يخشون الأستاذ رزق الله ، وتنفخ فى كفوفهم الصغيرة بعد كل عصا ، وقد تميل على أذن الواحد منهم وتسر له إجابة كانت بعيدة . أما الشيطان ، فهو الذي يدلنا على جحور الثعالب الصغيرة . حيث خرجت أمهاتهم للسوق ، حينئذ نطرق أبوابها ونقول: ـ نحن أمهاتكم يا صغار ، فاخرجوا ولا تخشوا شيئاً . الشيطان هذا هو الذي نبهنا ـ بعد ذلك ـ إلى أن الشمس مثيرة كزينب سليمان ، وحين قبس منها ومررها فى أصلابنا نبت فى عاناتنا شعر ، ثم دفع فى جيب أحدنا صورا ً لنساء ورجال عرايا وفى أوضاع يخجل الواحد من وصفها ، قال : ـ من منكم يملك عضواً أكبر ، من منكم أكثر منياً من أخيه ، أخلعوا سراويلكم يا صغارى ،أخلعوها ولا تخافوا الملائكة فهي اليوم مشغولة عنكم . الشيطان هذا .. كان كامناً لعلى ومارسا تحت السرير ، وهو الذي قال لناشد على كل شئ ، ودله على سر جرح فى شفة على ، والخدوش الطويلة فى ظهره ، وشرب معه ثلاث زجاجات عند شنوده ، وشنوده أيضاً شرب معهما ، وكان فى الحقيقة مندهشاً ، فناشد لا يشرب نهاراً ، والشيطان أصغر كثيراً من أن يشرب كل هذا . الشياطين يا جدة .. لا تحفظ الأسرار ، فليست لها آبار عميقة ، وهى التي ترسل الريح فى ذيل فستان زينب القصير أصلاً ، وتفر صفحات كتاب الجغرافيا ، فلا تفهم زينب منها شيئاً ، وتوسوس لجدتها فى تلك الساعة ، أن اذهبي يا زينب لأم على ، واطلبي منها غربالاً ضيق الثقوب ، وهو الذي أشعل الفرن فجراً، وبث فى جسد زينب صهداً لذيذاً ، وهمس فى أذنها : ـ أن دعي أصابع علىّ تتسلل تحت فستانك . هكذا تمس النار فخذيها مساً رقيقاً ومرتعشاً ، فلا تقول زينب شيئاً ، فقط تغمض عينيها وتختلج لما تصعد النار إلى شفتيها. فهل أخرستها يا أيها الشيطان ؟ أم تلك رائحة سعف النخيل الطري ، عطناً وفواحاً بأنفاسك حتى لتحسها زينب حارة وذكورية ، الشيطان هذا شاطر وابن وسخة ، ظل يضحك طوال اليوم ، فيما كانت الملائكة فى انتظار من تطلع السلم ، وتطوف على حواف سطح سور البيت لتمسك بها فى اللحظة الأخيرة ، قبل أن تطير فى الهواء. قالت الجدة للولد البدين : أنت دائما تتخيل الحكايات وتصدقها ، كبرت الآن وخط لك شنب فلاتكذب ، الشياطين لا تفعل كل هذا . الشياطين توسوس فقط . وعلى ولد طيب يمشى سرحان ورخيا ، فلا تحكى للناس هذه الأكاذيب . 5 ظل يحفر الوجوه على حوائط الطين ، ثم يتحدث إليها . بعد أن يعجب بها الله يمنحها أرواحاً ملونة . لكنه لايمنحها مصائر أخرى غير تلك التى حفرها فى لوح مسطور . فمثلاً : ذلك الفتى الذي يمشى فى السوق ، ويصدم مؤخرته بالفلاحين فى الزحام ، لـه روح سمراء ونحيلة ، والفلاحون لفرط سذاجتهم يعتذرون له ، وسيضحك الخبيرون بالسوق وحيل خولات البندر، وربما يشيعونه ببعض السباب والبصق ، يغالون فى ذلك ويلتفتون حولهم ليتأكدوا أن أحداً رآهم وهم يفعلون ذلك . سيتبادلون ابتسامات وغمزات لها معنى ، وسيتحدثون من فوق ظهور الحمير وهم فى طريق عودتهم ، وسيشعر الواحد منهم بالفخر وهو يحكى كيف فهمها وهى طايره. لكن الأكثر شباباً منهم أو أولئك الذين لم تصبهم البلهارسيا بأورام البروستاتا ، ستدق قلوبهم. إنهم خائفون . ويتمنون لحظة ، لو أن الله غفل عنهم . غير أن الفتى المعذب لا يعدم واحداً على الأقل أفلت من عيون الملائكة .أو زاغ منهم لبعض الوقت ، هو لايفكر أن يذهب به إلى أرض أبى خليفة فالعيال الشياطين يلعبون هناك طول النهار ، وصبيان مدرسة الصنايع يعرفونه جيدا ، وليس بوسعه أن يصحبه إلى المقابر كالمرة السابقة ، إذ أن حارس الجبانات هناك ، ذلك العجوز المقزز يعرفه جيداً ، ولن يفوت تلك الفرصة ، وهو مهما كان ، يكره أن تمس مؤخرته يد اعتادت تجوس فى جثث الموتى . لماذا هذه الأشياء البشعة الآن ياولد ؟ إنها بشعة ومخجلة ، وسوف يحاسبك الله أن ذكرتها للناس . ولو عرف إنك سوف لا تنساها لما لون أرواحها. يا الله .. هل الولد شرير هكذا ، حتى ليعجز قلبه عن الخفق إلا لصور شيطانية ؟ فتلك المرأة التى تخلع ملابسها فى الشمس وتفرد شعرها ، كثيراً قالوا إنها تستقبل الغرباء ليفعلوا فى بيتها أشياء يخجل الواحد من ذكرها . وطفلة روحها كالماء ، أحضرها رجل فى حنطور ، وبعد سنين عاد ليأخذها وقد صارت تشبه الملائكة يجفف روحها هكذا ؟ وفتى أمرد يسير ـ ويـا للغرابة ـ فى السوق بين الفلاحين ، رافعاً ذيل جلبابه كاشفاً عن مؤخرته يحكى هنه بلا خجل ؟ والواحد لا يعرف كيف يمكن لأشياء قبيحة أن تحيا هكذا فى نفوس البشر ؟ ً هذا الولد الذي اكتشف المكان ، وفيه ضاجع صوفيا لورين، واحتفظ بصور لفتيات عاريات ، وأنصاف سجائر ، وأشياء أخرى كثيرة وخاصة ، من يراه مستلقياً على ظهره هكذا ، وعيناه للسماء ، متوسداً كومة حطب الخبيز ، يظنه موقد الشموس والأقمار ، غير أنه فى تلك اللحظة ، يفكر فى الثعالب ، كيف تخدع الطيور الساذجة حتى لتظنه ميتا ً بالفعل ، ولولا أنك رحيم جدا ً، ما خلقت لها أجنحة. زينب سليمان ، بنت رومانسية والله ، تعشق الفراشات وطيور السما ، خمرية ونحيلة ، لها شفتان تنفرجان برخاوة دافئة كأنما تدعوك لتقبيلها فى كل وقت ، غير أنها رومانسية فعلا حتى أنها لن ترى الشهوة فى عينى الولد وهو يرسمها عارية ، وربما لا تعرف أن الثعالب ماكرة وشريرة ، فتصعد درجات السلم الخشبي لتحط فى مكان عال فوق سطح بيتها وتمشى على الحواف ، تصطاد الفراشات وتطالع دروس الجغرافيا . عندما تجيئها الريح من أماكنها السرية ، وتطير ذيل الفستان الواسع بقدر الريح ، وتكشف كل الشموس والأقمار، يكون هذا من فعل الشيطان ، لكنها بنت رومانسية فعلا ، صحيح هى شهية ولكن بلا وهج كزهرة قرنفل ، ومباغتة بلا ارتعاش يسكن جسمها ، ثم أنها لا تشبه صوفيا فى شيء ، لكن الشيطان هيأ للولد ذلك حتى يعيش فى الغواية ، فنهداها طالعان بلا تفجر، وما فى عينيها حزن وليس شهوة ، ولو انسحبَ الآن إلى حجرته المحوية ورأى صورتها التى علمه الشيطان كيف يرسمها لتأكد له ما أقول . النهود لها إيماءاتها الخاصة جداً . حتى أنها لا تتشابه فى الصور، وجميعها تغمره بالشهوة، فيضع المنقد بين فخذيه ، فإذا زلزلته سعفة الوهج ، يفكر طويلاً فى مصير حيواناته المنوية حين تقفز فى النار . يا ألله .. لم كتبت على أن أرعى ولدا بهذا الشقاء ؟ أنا نفسى أخاف أن يرسمنى بعين واحدة ، أو يضع على رأسى قرنين ، فأصير شيطانا . 6 تلك لوحة رسمها بقلمه الرصاص فوق ورق البريستول الذى اشتراه خصيصا من مكتبة المعاهدة ،امرأة ورجل يتحادثان ، وفتى نحيل بساقين مكشوفتين ينام بجوارهما ، جعلهم فى مساحة صغيرة من الظل ، تحت مظلة خيش لا أكثر . ثم جعل خلفية المشهد غائمة ، كأنه ضباب تسبح فيه رؤوس حمير وبقر وبشر . والملاك الذى تعرف عليه يوم كتب رسالته الأخيرة لأمه قال : والله أنا لاأفهمك ياولد ، كيف ترسم وجها فيه كل هذا القبح وتظنه جميلا ؟ حتى النساء لايقلن عنها إلا سيدة القحبة . إما الرجل ذّو الشارب الكبير الجالس يحادثها هذا ، فيقسم أن وجه سيدة كان أجمل من وجوه الخواجات ، وأن ريقها كان مسكراً ، وريحها معنبراً ، والزمان هذا غادر وابن وسخة : ـ اسأ لونى أنا عن سيدة آلاجا . هذا الرجل أعتاد يجلس فى خص البوظة ساعة أو ساعتين ، هناك سيسمع شيئا من أخبار السوق ، ويرى وجوها لتجار قدامى يدينون له ببعض النقود ، يشرب قليلا حتى يذهب ما بنفسه من سأم ، وإذا ما انتهى من قرعته يلعق شفتيه بلسان طويل ، ويمسح شاربه ببطن كفه ، يغمز بعينه ويقول ..يا سلام حلاوة رباني بنت الكلب. يقف بقامة طويلة زرقاء، يحدق بنظرة طويلة من باب الخص ، نظرة مسكونة بوجع وحنين وذكريات تطير منها كعصافير . يوجهها مباشرة فى اتجاه مظلة الخيش التى تجلس تحتها سيدة ، يمد يده فى السيالة فتشخلل النقود المعدن قبل أن يخرجها ويمدها للواقف وراء البرميل ، يجول بخاطره أن يقول بصوت عال : لا شيء يبقى على حاله . فقط يتجشأ ويتحرك فى اتجاه الباب . لكن لحنا رتيبا يتردد فى نفسه ، بكلمات لها طعم الرثاء : دنيا غرورة وكدابة زى السواقى القلابة لماذا صوت كهذا يأتى رخوا وممطوطا كخرير ماء لاينقطع ؟ هي ـ أيضا ـ لا تبارح مظلتها فى ساحة المواشي ، تمر عليها فتحيطها بالعفار والبول والروث، فتلعن أصحابها واحداً واحداً ، ربما تتحرك للوراء قليلاً ، تتحرك ولا تجاوز مساحة الظل الصغيرة التي تصنعها مظلة الخيش والجريد. الآن تقول لحسونة : إن يوم السوق هذا يوم خير فعلاً. فهؤلاء عشاقها القدامى ، تجار المواشي الذين ضاجعوها واحداً واحداً ، يجيئون من كل البلاد ، يحطون رحلهم على المرفأ المهيأ للغرباء ، صحيح هم الآن عجائز مثلها ، لكنهم إذا جاءوا للسوق لا يبخلون ـ أبداًً ـ عليها بما قسم ، وقد يجلس الواحد منهم بجوارها يرتاح فى الظل قليلاً، يدخن سيجارته فيما تعد له فنجان القهوة على منقد لاتنطفى عنه النار ، وعندما ينتهي من فنجانه يقلبه فى الطبق ويقول : ـ بختى يا سيدة .. - بختك من بختى يا خويا . هذه عبارة تقليدية ترد بها قبل أن تمسك الفنجان أو حتى تبص فيه ، سيجلس صامتاً وكأن مصيره يتحدد الآن . - حملك تقيل يا أبو العيال . سيدفعون لقاء حكايات قديمة تخبئها دوما فى فنجانها . يتنفس الواحد منهم بعمق ، فتطير روائح بن ودخان ، وتطير أفكار وذكريات عن الأيام الخوالي ، سيبدأون ـ حتماً ـ بشيء من التأسي ، ولكن حتى الذكريات الأليمة ستبدو من بعيد شيئاً طريفاً وربما مضحكاً . وفى غمرة نشوتها تغنى بصوتها الذي مازالً صافياً . ياسى عنتر يا غالى ..ياللى شاغللى بالى .. قد تحتاج فقط لتغير اسم الواحد منهم لكن الأغنية ذاتها لا تتغير . فالأغاني باقية ، وصالحة لكل الأسماء ، وإذا دمعت عيونهم ، أو اهتزت رأس الواحد منهم ، فإنها قد تنهى الأغنية بكلمات جنسية وقبيحة وتفعل أشياء يخجل الإنسان من ذكرها، تغنج ، وتلهث ، أو تمص شفتيها . حتى يضحك أبو العيال ويلقى بحمله عن كتفيه . وهذا كله لاشيء فبإمكانها أن تمد يدها بين فخذى الواحد منهم . لكن حتى هذا لا يمكنه إيقاظ الموتى ، فلا شيء يكون صوراً ، فقط معان مجردة ، وهواجس غامضة تسكنهم كمزحة قديمة ، تثير فيهم الضحك بقهقهات داكنة ، أو تشعرهم بالألم فى مواضع حساسة . سيدفعون الآن بسخاء ، ويعودون إلى بيوتهم بقلوب خفيفة . هم الآن أكثر كرماً حتى من ذي قبل ، من تلك الأيام التي كانوا يدفعون فيها لقاء أشياء حية ، وهذا يمنحها الفرصة أن تشترى شيئاً قبل انقضاء السوق . عقداً من الخرز الملون ، أو منديل رأس مطرزاً بخرج النجف ، أو زجاجة من عطر الحبايب. بالتأكيد ستشترى حمل برسيم أو دراوية لأرنبين وليفين فى بيتها ، وربما تشترى لحسونة رغيفين وبعض الفلافل . كالعادة سيقول حسونة : - خيرك كتير يا سيدة .. - من عرق جبيني يا روح أمك.. ضحكت ، فبانت أسنانها ، الذهبية ، وضحك ، وأزاح سلة السوداني فى الشمس قليلاً ليبقى ساخنا ويعجب الزبائن ، جلس هو فى مساحة الظل الصغيرة بجوارها ، مدد ساقيه ، ورفع ذيل جلبابه قليلاً فظهرت ساقان ناحلتان بعروق زرقاء نافرة . هى بنفسها اشترت له كيلة فول سودانى ، وأخذت سلة صغيرة من تاجر مقاطف أعجبتها طلعته حتى أنها تمنت لو أنها لقيته وهى أصغر من هذا . قالت له : حسونة ولد يتيم يسعى على رزقه . فرد التاجر قرشين كانت قد دفعتهما وقال : أدعى لنا ياخالة . تدعو له فعلا ، وكأن ملاكا يقف خلفها ، يسجل ما تقول . 7 (ليس كمن يرسم على جدار أو لوحة ..الولد البدين يرسم بالكلمات مشهدا ، سيجعله شيئا ساكنا فى مساحة من الزمن ، وربما عالقا هناك ). كل شيء فى النفق ليس كعادته . ضوء النار يرسم خيالات لجياد وحناطير وبشر تتراقص فى دفء ، وتتداخل على جدران غامت معالمها ، سعلات وحمحمات وهزات رؤوس تشخلل ، التماعات لبقع مياه ومشغولات نحاس تضوى فى السروج وعلى جوانب الحناطير ، إنها احتفالات العام الجديد ـ رغم كل شيء ـ تعلن الفرح . فوق النفق ، مشهد آخر يتشكل فى إيقاع من الوحشة ، غرباء تركوا زوجاتهم متدثرات بطاطين وألحفة ، يسترجعن لحظات النشوة الأخيرة ، بطاطين وألحفة تحفظ روائح المضاجعات العاجلة لأطول وقت ممكن ، فيما كان الرجال ـ فى تلك اللحظة ـ يواجهون البرد على رصيف المحطة بحقائب ملأى برائحة البيوت ، ويدفئون أنفسهم بخطوات نشطة على سلم الجرانيت الوردى . لم يعد أحد من الغرباء فى النفق ، كلهم خرجوا ، ركبوا الحناطير ، وهم الآن فى الطريق إلى بيوتهم ، النفق خال ، إلا من نار كفت عن الطقطقة وبدأت تترنح ، وحنطور وحيد يقف بجوارها . فوق الحنطور رجب العربجى يحاول يطرد نعاسا بهزة من رأسة تعلمها من حصانه ، سيشعر قليلا بالتوتر ، ثم يثبت عينيه على سلم الجرانيت الوردى ، ربما يظهر الذى الرجل ينتظره ، ويناديه مثل كل الناس : الحاج وهدان . الآن ، ليس على رصيف المحطة سوى هذا الرجل ، إنه متدثر فى عباءة سوداء مقصّبة ، يجلس على مقعد مواجه لعربة الدرجة الأولى . يدخن فى صمت . كم من الوقت مر عليه وهو يجلس هكذا ؟ وقت كاف ليشعر الذين دهسهم القطار يوما بالقلق ، خشية أن يبقى طويلا فيفسد خطتهم الجديدة فى سرقة بندقية الشرطى السمين الذى لم يعد يصلح سوى لحراسة الفلنكات . هذه ليست الحقيقة تماما ، فالذين دهسهم القطار يوما لن يتمكنوا أبدا من سرقة بندقية الشرطى السمين . الحقيقة أنهم فقدوا قدرتهم على خداع البشر يوم دهسم القطار ، وهو ـ مهماكان سمينا وغبيا ـ سيحتفظ بقدر من الحرص اللازم لشرطى عجوز. إنه وقت كاف ليستمتع الحصان البنى بعادته السرية سعيا وراء لحظة قذف هائلة ، أو وقت كاف ليخلو النفق تماما ، فيشعر رجب بأنها ليلة غير عادية فعلا ، وفى تلك اللحظة التى فكر أن يطلع سلم الجرانيت الوردى ليرى بنفسه إن كان ثمة أحد على رصيف المحطة ، يلمح وهدان يتهادى فى خطوته فيقول فى نفسه : عادى .. كل شيء يمضى كالمعتاد . إنها ليلة عادية . غير أن وهدان لن يضطر ـ هذه المرة ـ لتدقيق النظر ، أو التحديق فى وجوه العربجية وحناطيرهم المتشابهة ، ومع ذلك سوف يندهش قليلا عندما يرى الحنطور فى منتصف النفق تقريبا والنار تخبو بالقرب منه ، سيفهم بالتأكيد ، أن كل ما أحدثه الله من تعديلات مفاجئة ، يمكن احتواءها فى نفق صغير كهذا ، لكنه سيفكر طبعا ، أن الطريق سيكون موحلا بما يليق بليلة أخيرة فى عام مضى ، عندئذ سيتمنى ـ مثل الآخرين ـ أن بيتا طينيا فى الدرب الجديد قد يكون سقط هذه المرة . يستطيع رجب العربجي أن يميز الحاج وهدان من بين ألف زبون ، مشيته المترنحة ، جسده المكتنز ، عباءته السوداء المقصّبة ، نظارته الذهبية ، وجهه الوردى وشاربه الأصفر وعينيه الرماديتين . كل هذه الألوان يستطيع رجب أن يميزها حتى فى ضوء المصباح الوحيد الذى يختنق فى ظلمة النفق .سيفعل ذلك نتيجة لتدريب مستمر ، عبر ليال عديدة . يحاول رجب أن يتذكر ، منذ متى وهو يأتى إلى هنا فى هذا الموعد ليكون فى انتظار الحاج .. يااااه ..عُمر . أما الذى يدعوه الناس : الحاج وهدان ، فعليه أن يدقق كثيراً ليميز وجه رجب ، فوجوه العربجية وحناطيرهم وحتى جيادهم تتشابه فى عيون رجل يرى نفسه غريبا ليس فقط عن بلدته ، بل عن اسمه وجسمه ، من أجل هذا سيعلن رجب عن نفسه حتى يهتدى إليه الحاج ، يسعل ، أو يتثائب بصوت عال ، أو ينهر حصانه بلاسبب . عندئذ سينتبه وهدان ويتجه إليه . وقبل أن يركب سيقول بصوته الجميل : سالخير يارجب ثم يبتسم ، تلك الابتسامة المغوية ، التى كلما رأتها أمينة الدكرتحركت فيها الشهوة وشعرت برعشة بين فخذيها. عندما يمسك وهدان بمقبض الحنطور النحاسى ، لابد سيميل الحنطور قليلاً ، وعندئذ يدرك الحصان ـ بخبرة لايستهان بها ـ أن زبونا سيركب ، وأن عليه أن يتحرك الآن ، غير أن الليلة ، لاشيء يمضى كالمعتاد ، سيتلكأ الحصان قليلاً ، وسيضطر رجب أن ينهره . ـ خلص بقى يانجس . فى الحقيقة خبرة حصان شيء هين ، وحواسه أيضا ـ قد ترتبك ، لأن ماسوف يحدث الليلة ، بل كل شيء فى المشهد لن يمضى كالمعتاد كأنه رسم فى لوحة بيد شيطان . والخبيرون بحكمة الله يدركون جيداً كم هو بديع ، وأن لاشيء يتكرر فى مملكته تماما . فبوسعه ـ سبحانه ـ أن يضع لمساته الرهيفة على كل شيء ، وفى كل وقت ، فمثلاً : يمكن لاثنين من العربجية أن يتشاجرا على زبون ، أو أن تسقط حقيبة أحد المسافرين لسبب أو لآخر ويعاونه العربجية فى جمع محتوياتها المخجلة ، أو أن شابا مجندا لم يتمرن كفاية على السير بالبيادة ينزلق على سلم الجرانيت الوردى . أشياء مثل هذه تحدث بالتأكيد ، فقط لتؤكد أن الله محكم قبضته على كل شيء ، أشياء كهذه ستحدث ، حتى لو أرسل كلبا ليعبر النفق بلا معنى يذكر ، يعبر النفق وحسب . الليلة ، أشياء كثيرة مثل هذه ستحدث ، ربما لأنها الليلة الأخيرة من هذا العام ، فالله ـ فى الصباح ـ أنزل مطراً غزيراً ، حتى تذكر الناس بيتا طينيا فى شارع الدرب الجديد فقالوا : هذه المرة لابد واقع لامحالة . كلما أمطرت يقولون هذا ، لكنه دائما يفلت من سقطة أخيرة كما يتمنون . الآن .. ثمة بقع مياه تتجمع على جانبى النفق ، وكان يمكن أن نراها تلمع تحت ضوء المصباح الوحيد لولا أن شيطانا مر منذ ساعتين ونفخ فيه فأطفأه وأراحه من اشتعال عبثى . ولأن ريحا باردة سكنت الشوارع منذ المساء ، اضطر العربجية أن يدخلوا بحناطيرهم إلى النفق ، ثم أنهم أشعلوا ناراً ، فالناس ـ أيضا ـ يمكنها أن تتحايل على تصاريف السماء . هكذا ، يعود النفق مضيئاً ودافئاً ، رغم كل التغيرات التى أحدثها الله وأنفق فيها نهاراً كاملاً . حتى أن الجياد شعرت بامتنان ، فطأطأت رؤوسها ونعست فى الدفْء . أما حصان رجب ، وكان أقربهم للنار ـ فكان منتشياً جداً ، حتى أن عضوه تمدد فراح يضرب به بطنه ، نشوة كهذه لايدركها سوى عربجى أدرك بخبرته ، أن حكمة الله تتجلى فى قوة الطبيعة الحية ، ثم أنها دليل واضح على أنه رحيم بمخلوقاته . ورغم ذلك لن يتوقف عن أن ينادى حصانه : يانجس . والحصان نفسه ، سيقبل هذا فى صمت وربما فى خجل ، لكنه سيتحرك فعلا ، بمجرد أن يقول رجب : خلص بقى يانجس .