الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

حوار المدى

حاورته : سولاف هلال- القاهرة يحتفي الروائي «سيد الوكيل» بالإنسان عبر المكان في مجموعة علاقاته في آخر إصداراته الروائية التي شكلت علامة أخرى من علامات تميزه السردي. ورواية «شارع بسادة» رواية شائكة في بنائها الفني ولم تقم سرديتها على حبكة مألوفة كالتي تتصل مع الواقع مباشرة دون فلسفته ومساءلته ، إنما تقصدت الواقع وانتمت إليه لكنها افترقت عنه بمعطيات فنية كثيرة ؛ ولهذا لاقت هذه الرواية ما تستحقه من ثناء نقدي وإطراء نخبوي واضح المعالم . سيد الوكيل في هذا اللقاء يتماهى مع «شارع بسادة» ويتوغل في بعض جزئيات روايته واشتغالاته المعرفية عليها .  روايتك « شارع بسادة» تحيلنا إلى اسم مكان، ما هي علاقتك بالمكان على مستوى الرواية ؟ - المكان ليس معنى جغرافيا على الإطلاق ، هو مجموعة من العلاقات التي يكون الإنسان عنصرا رئيسا فيها ، وليس فى روايتي احتفاء بالمكان على نحو منعزل عن هذه العلاقات التي تنتج عبر الممارسات اليومية والطموحات الصغيرة لشخصيات تبدو مهمشة مثلما المكان ذاته ، وعندما تستطيع كائنات المكان أن تعبر عن نفسها فهي تمنح للمكان خصوصيته ، ومن ثم يبدو المكان بطلا على نحو مايشير له عنوان الرواية ، ولكن الحقيقة ، إن هذه البطولة ليست منحة إلهية لقطعة من أرضه ، بل هي منحة الإنسان ذاته ، لهذا لا أحب أن تقرأ روايتي على أنها رواية مكان ، فهذا طموح فقير وبسيط . أظنها معنية أكثر بالإنسان وأسئلته الوجودية التي لاتنتهى ، ومن بين هذه الأسئلة مساءلة المكان ذاته. صحيح أن للمكان في الرواية وجوداً حقيقياً في حياتي ، وقد عشت فيه فترة من عمري ، ولكنى لا أكتبه لكي احتفى به أو أخلده ، بل لأسئله وأبحث فيه عن ذاتي، باختصار، المكان هنا ليس موضوعا بل هو ذات مؤرقة محتشدة بالأسئلة والهزائم الصغيرة .  هذه الرواية تحتاج إلى تلق خاص وقارئ غير عادي ، ما الذي أرادت « شارع بسادة « إيصاله في تركيبتها الفنية والنفسية ؟ - هذا سؤال صعب ، لأنني في الحقيقة لم تكن عندي رسالة واضحة للقارئ ، لقد كتبت هذه الرواية على مدى سنوات طويلة رغم صغر حجمها ، طوال هذه السنوات أعدت كتابتها عشرات المرات ، أنا شخصيا كنت مرتبكا ومجذوبا لكتابة هذه التجربة بشكل قدري فيه كثير من الهوس ، واظن أن السبب في ذلك أن عالمها لصيق بذاتي إلى درجة لا تمكنني من رؤيته واضحا ومستقلا ،ومن ثم يبدو الراوي هنا تمثيلا لي كمؤلف، فقد عشت في مرحلة من حياتي بهذا المكان محاطا بظروف بالغة القسوة ، كنت صبيا وحيدا مسكونا بحزن الملائكة وجنون الشياطين ، وفى مرحلة شائكة من حياتي وهى مرحلة تفتح الحواس وطرح الأسئلة البكر التي شكلت فيما بعد وعيي وحددت طريقتي في فهم الحياة والكتابة نفسها، والراوي صبى يعاني وهو موزع بين معايير ثقافية عن المقدس والمدنس فرضها المكان .  هناك أكثر من بعد في النص ولا يتكشف هذا الأمر من القراءة الأولى ، لماذا تعمدت هذا الإرباك للقارئ ؟ - لم يكن لدي شيء واضح ، لهذا كانت الكتابة ـ نفسها ـ هي طريقتي في الفهم والمعرفة ، أو بمعنى آخر ، الكتابة هي صيغة للبحث ، وهذه طريقة للكتابة مختلفة عن طريقة الكاتب الذي يمتلك معارف يقينية يسعى إلى إبلاغ الناس بها ، ومن ثم تحتاج لقارئ مختلف ونوعي ، يقظ الحواس وليس مجرد متلق سلبي لما أقول ، فربما الارتباك الذي يشعر به القارئ مساو لارتباكي شخصيا تجاه الأسئلة التي تقلقني، لكن القارئ لن يشعر بالتعالي عليه أو بقصدية إرباكه ، لهذا اعتقد أنه سيحب العمل ويبذل بعض الجهد ويتحملني ، والقارئ مستعد أن يعانى قليلا إذا وجد في النص وعدا بمزيد من المتعة مع كل قراءة ، لأننا حين نمارس فعلا ممتعا نرغب في المزيد منه وسنقبل بعض المعاناة أو الألم في سبيل ذلك . إن اللذة التي يمنحها لنا النص أشبه بممارسة الجنس على حد تعبير رولان بارت ، لهذا نمارس مزيدا من لذة القراءة بحثا عن لحظة إشباع .  لماذا اقتصرت رؤيتك للمقدس والمدنس في الرواية على فكرة الجنس التي تحضر بكثافة خلال العمل ؟ - لا اعتقد بأن هناك مسافة كبيرة بين المقدس والمدنس ، هذه المسافة هي نتاج ثقافي لكنها ليست موجودة في الحقيقة ، فعبر التاريخ اخترع البشر العديد من الثنائيات وانحازوا لبعضها ضد الآخر ، قدسوا الروح واحتقروا الجسد ، أحبوا الملائكة وكرهوا الشياطين، عظموا الرجل وهمشوا المرأة ، وفيما بعد صارت هذه الثنائيات وكأنها في صراع مع بعضها،مع أنهما في الأصل كانا شيئا واحدا ، فإبليس هو نفسه طاووس الملائكة، والشجرة المحرمة منحت آدم وحواء حقا مقدسا فكان لهما نسل عظيم يعمر الأرض ويعبد الله ويكون خليفته فيها، هكذا يولد المدنس من قلب المقدس والعكس صحيح . وهذه الآلية ، هي في الحقيقة إرادة إلهية ، لقد كان لدى الله ملائكة وشياطين ، ولكنه خلق الإنسان ليجمع بين النقيضين في خلق واحد وفضله على جميع ما خلق . والجنس هو التمثيل الأبرز لتماهي المقدس والمدنس، فهو الوسيلة التي اختارها الله لعملية الخلق لتكون دالا قويا على وجوده وقدراته ، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى ارتقى بالجنس من الأداء الوظيفي لمجرد التناسل وحفظ النوع ، إلى الأداء الجمالي ليصبح الجنس فعلا خالصا لذاته، وفى هذا الارتقاء نوع من التقديس، وهو معنى صوفي يتجلى في لحظة التوحد الحقيقية بين الثنائيات المتضادة ، الروح والجسد أو الرجل والمرأة أو المقدس والمدنس.  تعرضت في الرواية لمسألة الشذوذ الجنسي ، ما هي رؤيتك لهذا الأمر كحالة استثنائية في الحياة ؟ - علميا لا يوجد جنس يخلو من انحراف سوى الجنس الوظيفي بغرض التناسل بين الحيوانات مثلا ، وغير ذلك هو نوع من الانحراف عن أصول الغريزة ، وهذا الانحراف يختلف في درجاته ، والشذوذ الجنسي هو أقصى درجات الانحراف ، صحيح هو يمثل أعلى درجات الجنس المجرد لذاته وأبعدها عن الوظيفة ، ولكنه يفتقد لفكرة توحد الثنائيات المتضادة التي اعتبرها لحظة التوحد بين المقدس والمدنس ، لهذا يعتبر شذوذا . والرواية تناولته بين صور الجنس المختلفة لأنه حالة موجودة في الحياة كما قلت في سؤالك ، ولكن الرواية لا تحتفي به بقدر ما تنشغل بعذابات أصحابه كحالات إنسانية لاتستطيع أن تتصالح مع الآخر ولا حتى مع نفسها، أنها أكثر درجات الاغتراب الإنساني شراسة . هكذا كان سمير وهدان أحد شخصيات الرواية ، كانت أمه تقدم الذبائح للولي ، تبكى وترجوه أن يهبها ولدا بعد أن أنجبت سبع بنات ، وعندما رق الولي لحالها بدل جسد البنت التي في بطنها إلى ولد ونسى أن يبدل روحها ، فخرج سمير إلى الحياة بجسد رجل وروح امرأة .  هل هناك تساؤلات ما ورائية مطروحة في الرواية ، هل عثرت على إجابة ما لتساؤلاتك بعد كتابة هذا العمل ؟ - كل إنسان في الوجود هو حالة خاصة ، ومن ثم فهو يطرح أسئلته الخاصة على الوجود ، وبهذه الطريقة فالأسئلة لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة ، والأدب سيظل يطرح الأسئلة لأنه طريقتنا في الإدراك الحسي للعالم ، صحيح أن الرواية تحاول البحث عن إجابة لأسئلتي الذاتية ، لكنها لاتزعم أنها وجدت إجابات ، ببساطة ، لو كانت لدى إجابات لما كتبت . وهذا الإحساس بالنقصان والجوع النفسي والفكري والحسي ،هو ما يمنحني دافعية للكتابة .  أنت روائي ومهتم بالنقد ولديك عدة إصدارات في المجالين ، هل ترى أنك حققت جزءا من مشروعك الإبداعي والنقدي ؟ - عموما أنا كاتب مقل في إنتاجي ، فلي روايتان وثلاث مجموعات قصصية وكتابان في النقد ، وهذا قليل بالنسبة لرجل فى منتصف الخمسين ، لهذا لا أشعر أنني كتبت الكثير مما أرغب في كتابته ، هذا على مستوى الكم ، أما على مستوى الكيف فلا أرغب أبدا في الشعور بالرضا ، ودائما أصبو إلى تجاوز ما كتبت وأضع نصب عيني مقولة طه حسين : إن الكاتب إذا اطمأن فسد .  أنت مهتم بالفن التشكيلي كيف تصف علاقة الكتابة بالرسم ؟ - بدأت فنانا تشكيليا ، لكنني وجدت في الرسم بالكلمات عوضا عن الرسم بالفرشاة ، إنه يوفر لي قدرا أكبر من إمكانات التعبير عن ذاتي ، ولقد نقلت خبرتي البصرية إلى اللغة ، وأزعم أنني مميز في هذا بين كتاب جيلي ، ومن حسن الحظ أننا نعيش عصر الصورة ، فبدا أن كتاباتي متوافقة مع هذا العصر، ولقد لاحظ الدكتور شاكر عبد الحميد هذا وخصص فصلا كاملا عن حضور الصورة في قصصي ضمن كتابه المهم ( عصر الصورة ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة .  بوصفك مهتماً بتقديم دراسات حول الأدب النسوي ، ما هي رؤيتك لكتابة المرأة العربية ؟ - حضور المرأة في المشهد الأدبي كبير ، وهو حضور ليس على مستوى الكم فقط ، بل على مستوى الكيف أيضا ، حتى يمكن القول أن الكتابة الجديدة ذات نزوع نسوى واضح سواء على مستوى شفافية اللغة والبعد عن تراكيب الفحولة البلاغية القديمة ، أم على مستوى توجه الخطاب إلى اليومي والهامشي ، وهو يتوافق بقوة مع توجهات الخطاب النسوي . ويبدو أن وسائط التكنولوجيا الحديثة منحت المرأة فرصة واسعة للمشاركة متجاوزة محذورات النشر القديمة ، أنهن الآن يتصدرن صفحات الإنترنت وشاشات التلفاز ، وهذا الوضع جعل المشهد واسعا على امتداد الخريطة العربية ، فمشاركة المرأة في المشهد الأدبي لم تعد مقتصرة على الدول التقليدية مثل مصر وسوريا أو لبنان ، ولكننا نجدها في اليمن والخليج العربي والسعودية أيضا وإن ظلت على استحياء نتيجة للطبيعة المحافظة لهذه الدول .وهناك موضوعات تتميز فيها المرأة غير الموضوع الاجتماعي الذي صار نسويا بالدرجة الأولى ، لننظر إلى أدب الحرب مثلا ، لقد اكتسب ملامح مميزة عند النساء اللاتي اقتربن من هذه التجربة فاقترب من الإنساني وابتعد عن الخطابية كما نجد عند : إيمان حميدان يونس وهالة كوثرانى ولنا عبد الرحمن من لبنان وعالية طالب وبثينة الناصري من العراق ، ومن فلسطين نعمة خالد ، لكن المشهد متسع ومتعدد . سيد الوكيل في سطور