الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015



( سيد الوكيل )

البيانات الشخصية والوظائف:

·         سيد احمد السيد الوكيل من مواليد القاهرة ( شبرا ) 1951
·        درس اللغة والأدب العربى بكلية الآداب بجامعة عين شمس وتخرج فيها، كما درس فيها دبلوم الدراما والنقد المسرحي.
·        عمل موظفا إداريا بجامعة عين شمس عام 1976 بعد إنتهاء خدمته العسكرية ومشاركته في حرب أكتوبر، وإحيل إلى التقاعد في عام2011
·        نشر العديد من القصص القصيرة في الجرائد والدوريات المصرية والعربية منذ بداية الثمانينات منها: الأهرام ــ الحياة ــ الكاتب ـ إبداع ـ نادي القصة ـ الثقافة الجديدة ــ المنتدى الإماراتية ــ شؤون أدبية وغيرها.
·        في عام 1990 أسس مع آخرين جماعة نصوص90 الأدبية، وقد قدمت الجماعة مشروعها ـ على مدار عقد التسعينيات كاملًاـ عبر الكثير من اللقاءات والندوات مع عدد من كبار مبدعي ونقاد مصرـ كما قدمت للحياة الثقافية إصدارات(18 إصدارًا) متنوعة بين القصة والرواية والشعر والنقد والفلسفة. وأثناء ذلك عكف على الدراسة الذاتية لنظريات الأدب وعلم الجمال، فبرع في النقد الأدبي ومارسه جنبًا إلى جنب مع  الإبداع القصصي والروائي. 
·        عمل كاتبًا لزاوية أسبوعية بعنوان ( مدارات ) في جريدة الشرق القطرية خلال الفترة ( 1998ـ 2008 ). وتناول من خلالها الكثير من القضايا الثقافية والأدبية، ثم استقال ليتفرغ لاستكمال مشروعه الإبداعي الخاص.
·        فى عام ( 2008 ) أختير أمينًا عاما لمؤتمر أدباء مصر. الذي عقد بمدينة مرسى مطروح، تحت رعاية وزارة الثقافة، وكان موضوع المؤتمر( أسئلة السرد الحديث )، وقام بتوثيق جميع أبحاث المؤتمر في كتاب أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة.
·        أختير رئيسا لمؤتمر أدباء العمال بشبرا الخيمة في دورة 7 مايو 2015، تحت عنوان ( الإبداع في واقعمتغير).
·          أختير مديرًا لتحرير سلسلة (هوية المكان) التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، في الفترة من (2008إلى 2011). وهي سلسلة ذات استراتيحية وطنية، تعني بوصف ربوع وأقاليم مصر والتأكيد على هويتها التاريخية وخصوصيتها الثقافية، وعمقها الديني الوسطي. وقد صدر منها (16 ) كتابًا، منهم على سبيل المثال: الأعياد في مصر القديمة عند هيرودت ـ جسر على قناة السويس ـ بورسعيد المدينة الاستثناء ـ دروب الحج في مصر ـ مصر بين الرحالة والمؤرخين.
·         عمل منذ عام 2011 رئيسًا لتحرير سلسلة ( حروف ) إبداعية نصف شهرية، تصدرها الهية العامة لقصور الثقافة، وقد صدر منها حتى الآن ( 46) عملاً بين الشعر والقصة والرواية.
·      العضويات:
·        عضو اتحاد كتاب مصر منذ 1997
·        عضو نادي القصة بالقاهرة منذ 1992
·        عضو لجنة تحرير معجم شعراء القرنين( 19ـــــــــ ـ20) ــ الذي أصدرته مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين بالكويت.
·        عضو مجلس تحرير مجلة الثقافة الجديدة خلال عامي 2007 ــ 2008.م
·        عضو لجنة الكتاب الأول ـ بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.خلال الفترة من 2009 وحتى الآن.
·        عضو لجنة تحكيم مسابقة إبداع 2 لشباب الجامعات تحت رعاية أمير الشارقة عام 2013م. 
·      الإصدارات:
·      له إصدارات متنوعة بين القصة والرواية والنقد الأدبي منها:
·       
 1ـ أيام هند ــ. مجموعة قصص قصيرة، طبعة أولى /نصوص 90(عام 1990 ) طبعة ثانية ( مركز الحضارة العربية  عام 1998.
2 ـ للروح غناها ــ مجموعة قصص قصيرة ـــ مختارات فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب ــ القاهرة ــ1996.
3 ـ فوق الحياة قليلا ـــ رواية –  سلسة أصوات أدبية ــ إصدارات الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ـــ القاهرة ــ 1997. ط2 ، الهيئة العامة للكتاب 2012م.
4 ـ مدارات في الأدب والنقد ... إصدارات إقليم القاهرة الكبرى الثقافي ـ 2002
5 ـ مثل واحد آخر- قصص قصيرة ـ دار الاتحاد للطباعة ـ القاهرة ــ 2004 .
6 ـ أفضية الذات ( قراءة فى اتجاهات السرد القصصى) ـ سلسلة كتابات نقدية ـ الهية العامة لقصور الثقافة ــ القاهرة ـ 2006.
7 ـ شارع بسادة ـ رواية ـ ط1 دار الناشر ـ القاهرة ـ 2008، ط2 دار روافد والدار العربية للعلوم بيروت ــ 2010م.
8ـ  الحالة دايت ( سيرة الموت والكتابة )، وهو كتاب غير نوعي يمزج بين السير والتراجم والسرد الأدبي والرؤى النقدية ـ صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة ـ 2011م.
9ـ لمح البصر ـ نصوص قصصية ـ دار روافد ـ القاهرة ـ 2014م.
10 ـــ بسط وقدم للناشئين رواية ( ميرامار) للأديب العالمي نجيب محفوظـ صدرت عن سلسلة الأدب العربي للناشئين ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة ـ 2014م.
·       له عدد من الدراسات النقدية والأبحاث المنشورة :
1ـ روح التجريب في قصص أحمد سعد ( قبل الخروج ) ـ مجلة نادي القصة ـ القاهرة ــ 1992م
2ــ قراءة في نصوص ( أحوال ) لمحمد كشيك ـ مجلة الثقافة الجديدة  ـ القاهرة ــ عدد مايو 1994 م.
3ـ الحرية بين السماء والأرض في رواية قلب الليل لنجيب محفوظ  ــ مجلة الثقافة الجديدة ــ القاهرة ــ 1995م
4ــ قراءة في قصص أحمد أبو خنيجر(حديث خاص عن الجدة ) ــ مجلة الثقافة الجديدةـ القاهرة ــ 1996م
5ــ قراءة في قصص ( هى وخادمتها ) لهناء عطية ـ ـمجلة الثقافة الجديدة ــ القاهرة ــ عدد يونيه 1998م
6ــ قراءة في  قصص ( رشق السكين ) لمحمد المخزنجي ــ مجلة الكرمة ــ الععد الثامن
7ــ صورة المدينة في قصص سعيد الكفراوي ( لابورصا نوفا نموذجا ) ــ مجلة الكرمة ــ العدد التاسع ــ
8ـ صورة القاهرة في قصص أمين ريان / كتاب أبحاث المؤتمر الثاني لأدباء القاهرة   2000م
9 ــ تحديات التقنية وانتصار المعنى في رواية ورود سامة لصقرلأحمدزغلول الشيطي ــ مؤتمر دمياط الأدبي السابع ـ 2000م
10ــ الرواية بديلاً للتاريخ ــ قراءة في رواية الوقائع السرية لناصر محسب ــ مؤتمر أدباء الوادي الجديد ـ أكتوبر 2002م
 11 ــ دراسة البنية السردية في قصص سعد مكاوي ـ نشر في كتاب أبحاث المؤتمر الثاني لأدباء القاهرة الكبرى وشمال الصعيد 2002 م.
12ـ ثلاث نظرات في النقد / كتاب أبحاث المؤتمر الثالث لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد 2003 القصة القصيرة في المنيا ـ مؤتمر أدباء مصر الثامن عشرـ المنيا ــ 2003م
13ــ أمين ريان في بيئته ــ مجلة الثقافة الجديدة  ضمن ملف خاص عن الكاتب ــ القاهرة ــ يونيو 2004م
14ـ تشكيل الفضاء ـ دراسة في الزمن السردي، نشرت في  كتاب أبحاث المؤتمر الرابع لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد ـ  2004
15ـ قصة الأنا والآخر ـ  بحث في موضوعة الهوية الثقافية . نشر في كتاب أبحاث المؤتمر الخامس لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد ـ 2005.
16ـ بلاغة البيئة ـ قراءة نقدية في أعمال لأدباء من جنوب مصر ـ نشر في كتاب أبحاث مؤتمر أدباء مصر ـ 2006
17ـ صورة الوطن وتجلياتها فى شعر العامية ـ كتاب أبحاث مؤتمر أدباء مصر 2007 .
18ـ روايات السفر ـ ضمن أبحاث مؤتمر الرواية العربية ـ القاهرة ـ 2008
20ـ ــ هامش على زمن الرواية ( التجربة النسوية ) ــ مجلة الثقافة الجديدة ـ القاهرة مارس 2008م ـ
21ــ الطريق إلى البوكر( دراسة في أدب بهاء طاهر ) ــ مجلة الثقافة الجديدة ــ عدد خاص في مناسبة حصول الروائي بهاء طاهر على جائزة بوكر العربية ــ 2008 م
22 ـ العنف النقدي في قراءة نجيب محوظ ــ مجلة الثقافة الجديدة ـ 20.9م
23 ــ النص والنص المصاحب ( قراءة في رواية قلب الليل لنجيب محفوظ ) دورية نجيب محفوظ ــ المجلس الأعلى للثقافة ــ  عدد 2010م
24 ــ زمن إبراهيم أصلان ــ مجلة الثقافة الجديدة ( عدد خاص في تأبين الروائي إبراهيم أصلان ـــ 
25 ــ السرد البيني ــ مجلة الفصول الأربعة ـــ الجماهيرية الليبية ــ
26 ــ تحولات الرواية السياسية ـ مجلة الثقافة الجديدة ــ 2014م
المشاركات الدولية :
·        الأدب العربي واختبار العالمية / ورقة بحث / ندوة دولية ضمن فاعليات معرض الدوحة الدولي للكتاب 1998 .
·        موزع بين الغوايات ـ شهادة أدبية ـ مهرجان العجيلى الأدبى ـ سورية ( الرقة )2008
·        ثلاثة مداخل للمتغير السردي ــ مهرجان الربيع الثقافي بالقيروان ( تونس ) ـ 2009 .
شهادات التقدير والجوائز:
حقق جائزته الأولى مع بداية حياته الأدبية في عام 1976م، عندما فاز بالمركز الثاني لمسابقة أدب أكتوبر عن قصة استشهاد عباد الشمس، وتسلم الجائزة من الروائي الكبير يوسف السباعي وزير الثقافة حينها. كما شارك في مسابقة عربية نظمتها مجلة الفرسان السورية عام 1991م وفاز فيها بالمركز الثاني مناصفة، كما شارك في مسابقة مؤسسة اليوم السابع العالمية ضمن 1214 كاتبًا من العالم، وحظي بتنويه خاص من لجنة التحكيم التي كان يرأسها الناقد الكبير جورج طرابيشي. كما فاز بجائزة افضل بحث أدبي في دورات مختلفة نظمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما حصل على عدد كبير من دروع التكريم وشهادات التقدير.
اهتمت بعض الأبحاث الأكاديمية والكتب النقدية والدوريات بتناول أعماله الإبداعية من قصص وروايات، نذكر منها :
1ـ ضمن كتاب ( عصر الصورة ) للدكتور شاكر عبد الحميد ـ الفصل الخامس بعنوان: الصورة والأدب، قراءة في مجموعة ( مثل واحد آخر ).
2ـ دراسة مفصلة عن رواية ( فوق الحياة قليلا ) ضمن بحث الماجستير، نشرت في كتاب بعنوان: ( أنماط البث والتلقي في الخطاب الروائي المعاصر ) ــ الباحث مهدي صلاح ـ صدر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 2006م.
3ــ ضمن كتاب: ( الذاكرة الجديدة ) دكتور مجدي أحمد توفيق ــ دار الثقافة والنشر والتوزيع ــ عام 2004م.
4ــ قراءة في مجموعة قصص ( أيام هند ) ضمن كتاب ( أشكاليات الشكل والرؤية في القص المعاصرــ أحمد عبد ارازق أبو العلا ــ من إصدارات مكتبة الشباب ــ بالهيئة العامة لقصور الثقافة ــ عدديناير 1979م.










الأحد، 18 يوليو 2010

قراءة في شارع بسادة

عن الموت والجمال والحب المثلى،
 بين فينسيا وشارع بسادة –
 قراءة: محمد عبد النبى




 
هناك جسور خفية تمتد بين بعض الأعمال الأدبية، المكتوبة فى أماكن وأزمنة متباينة، فى لعبة من ألعاب بيت المرايا، دون أن تحيل بالضرورة إلى جدلية التأثير والتأثر بصيغتها المباشرة، بل هى جسور تكاد لا توجد إلا فى ذهن قارئ ما فى إطار فعل قراءة محدد، أى أن مسئولية هذه العلاقات الخفية تقع فى أغلب الأحيان على عاتق القارئ وحده. هذا المستهل غرضه الأساسى إعلان مسئوليتى الكاملة عن الربط ما بين نوفيلا سيد الوكيل الصادرة مؤخرا عن دار الناشر، بعنوان شارع بسادة، أو بين بعض خيوطها على وجه التحديد، وبين أجواء الموت فى فينسيا لتوماس مان. ينتمى العملان إلى نوع أدبى واحد هو النوفيلا، وهى مصادفة لا دخل لها بالجسور التى أتخيلها هنا إلا قليلا، والنوفيلا حالة سردية وسطى ما بين القصة والرواية، وغالبا ما يشار لهذين الطرفين عند تعريفها، وأحيانا ما تعرف بعدد كلماتها، الذى يترواح من 10 آلاف إلى 70 ألف كلمة، لتمييزها عن الرواية، أختها الكبرى، والقصة الابنة الصغرى، لكن هذه التعريفات أيضا تولى اهتمامها لمسألة الصراع والحبكات، فتشير لاحتواء النوفيلا على عدد أقل من الصراعات مما تحتويه الرواية، ولكن على نحو أكثر تعقيدا من القصة القصيرة. حرص سيد الوكيل على الإشارة إلى كتابه السردى الأحدث شارع بسادة بوصفه نوفيلا، رغم توفر هذا الشكل فى سردنا الحديث عند أسماء كبيرة مثل يحى حقى وعبد الحكيم قاسم، دون إشارة واضحة لمسماه، ومع هذا فإن الوكيل يميل لكسر حدود النوفيلا، بصيغتها التقليدية، من ناحيتين، أولا كل فصل (فقرة أو قطعة سردية) من فصول كتابه له عنوانه الخاص ويمكن قراءته منفصلا والتعامل معه باعتباره وحدة سردية مستقلة، دون مشقة أو ابتسار، وبعض تلك الفقرات تم نشره فى نص سابق للكاتب، فى أول مجموعته القصصية مثل واحد آخر، وظهرت فى شارع بسادة دون تغييرات ذات شأن. الأمر الثاني – ولعله يرتبط من بعيد بمسألة الوحدات السردية المتصلة المنفصلة – هو أن النوفيلا في صيغتها التقليدية لا تلتفت لحكبات أو صراعات ثانوية فرعية، بل تمسك بخيط واحد أساسا لا تفلته إلى النهاية، وهو ما تحقق بصرامة فى نوفيلا توماس مان الموت في فينسيا. أما شارع بسادة فتقوم عن عمد بإفلات هذا الخيط الواحد، بل لا تمسك به من البداية، وربما من الفصل الأول للنوفيلا، مشهد محطة القطار، حيث يقدم لنا الرواى شخصيات تمر بالسرد مرور الكرام، رغم أنها واعدة، وهؤلاء أغلبهم من الغرباء ليسوا من السكان الأصليين للبلدة، ولا يستعيدهم السرد فى ثنايا اللوحات والفصول التالية بالمرة، وبعد ذلك تقدم شارع بسادة مجموعة لوحاتها أو حكاياتها الصغيرة التى يمكن اعتبارها جميعا، حبكات ثانوية وفرعية. هى دوائر متواشجة، يضمها إطار مكانى وزمنى موحد، تغلفها الحالة اللغوية نفسها، كل هذا صحيح، لكن أيا منها لا يقدم نفسه بوصفه صاحب الثقل المركزى بينها، منطلقا مفترضا لبقية الخيوط والحالات. وكأن هذا الانزياح الجزئى عن حدود النوفيلا إلى حدود المتتالية القصصية، دون التورط كذلك فى معضلات بنية العالم الروائى باحتمالاته المتنوعة، يتم نشدانا لحرية الشكل وللتمويه على أى دلالة مركزية قد تنتج عن قراءة متسرعة، إلا إذا انحازت هذه القراءة أو تلك، عن وعى وقصد، إلى تلك الحكاية دون الأخرى واصطنعتها منطلقا لرؤية كلية مفترضة للعمل. وهكذا فهناك الكثير مما قيل ويمكن قوله حول شارع بسادة، بناء على تلك الخيوط المتناثرة، نسكت عنه عامدين هنا، كما نسكت عما يمكن قوله حول مغامرتها اللغوية، ومدارها نقل التجربة الحسية الحية بلغة لا تخجل من شعريتها الخاصة، ولا تكتفى بالوقوف باردة محايدة إزاء التجربة... ننحى هذا كله جانبا لصالح التريث أمام خيط الحب المثلى الذى طرحه العمل، وذلك أساسا لندرة الأعمال الأدبية المصرية الجديدة التى تتناول مسألة الميل الجنسى المثلى، دون ابتذال أو تسطيح، ودون أن يضطر المؤلف لقتل النموذج "الشاذ" فى نهاية العمل (حاتم رشيد نموذجا – عمارة يعقوبيان) إذعانا – ربما – لقانون العدالة الشعرية: الآثم نهايته بشعة، أو مغازلةً – ربما – لوعى ما نسميه برجل الشارع العادى: الآثم نهايته بشعة كذلك. وهنا تلتقى نوفيلا شارع بسادة – على الجسر الذى تتخيله هذه القراءة – بنوفيلا الموت فى فينسيا التى نكتفي بوضعها فقط في خلفية المشهد كمجرعية هامة، لأهمية ما طرحته – جماليا ومعرفيا – من هواجس وتأملات حول الحب المثلى، ليس فقط باعتباره ذلك النزوع الآثم والمدان من قبل الأديان والأعراف والأخلاق، ولكن أساسا باعتباره دراما إنسانية، يغزل خيوطها الموت عند قدمى المعبود، وفقدان الأمل فى تحقق الرغبة، وضعف أدوات الفن إزاء اكتمال الجمال البشري الحي. هواجس الموت والجمال تلك تتناثر أيضا فى جنبات شارع بسادة، على طريقتها الخاصة. في فبراير من العام 1907 نشر الروائي الفرنسي مارسيل بروست مقالا بعنوان "عواطف ولد يريد قتل أمه"، مستوحيا مقاله من حياة صديقه هنري فان بلارنبرج، والذي أقدم بالفعل على قتل أمه التى يحبها ثم انتحر. ورأى بروست فى هذا الحادث دليلا على الحب، ووصف عملية قتل الابن لأمه بأنه عمل يكاد يكون جميلا. واختتم بروست مقاله كالتالي: "وودتُ أن أبين كيف أن تفجر اللوثة وسفك الدماء قد حدثا في جو من الجمال الأخلاقي الذي يجمع بين النقاء والدين. ورغم هذا فإن الدماء المسفوكة لم تنجح في تلطيخ هذا الجمال." كأن بروست يرى هنا أيضا جسرا خفيا معلقا بين الموت (وهو هنا قتل، للأم) وبين الجمال، وكأن القتل هو الحد الأقصى لفعل الحب، وهى فكرة لا يصعب أن نجدها، حتى فى أدبيات الحب والغرام الأشد سوقية وابتذالا، غير أن ارتباطها هنا بعشق الأم والرغبة فى التحرر من هذا العشق هو ما يضعها فى إطار مغاير. وللأم كمنوذج أول – وربما متوحش – للجمال حضور خاص فى واحد من أهم وحدات السرد بشارع بسادة، إنه الولد الذى يرسم الوجوه في حجرة مهجورة، كان مرصودا للعشق، وممسوسا بالجمال... وهذا هو عنوان هذه الوحدة السردية. هذا الولد الذى أتى إلى شارع بسادة، حيث سيعيش مع جدته، بصحبة أمه التى سرعان ما تتركه هناك، وتظل حاضرة رغم ذلك، فلا يكاد يتسع هذا الفصل الصغير إلا لها، ولتأمل مشهدها الفاتن، بعينى الولد، وهو نفسه الذى يطارده الصغار، قائلين: "ابن الحلوة أهه"، وكأنهم – بتعليق السارد- يحررون أنفسهم من الموت، أما سؤال الولد فكان: فمن يحرر نفسه من الجمال؟ ما الذى يجعل هذا الولد يرسم صورا لناس وملائكة وشياطين ويطمع أن ينفخ فيهم الله من روحه؟ وهل لما يرسمه هذا الولد علاقة بكل من يجمعهم شارع بسادة من ناس وملائكة وشياطين؟ ألا يمكن لقراءة منحازة لهذا الخيط عما عداه أن ترى في هذا الولد البدين الخجول صورة مصغرة لصانع العالم كله من أوله لآخره، يقول: "فيما بعد سيتعلم كيف يكتب ذلك على الورق" متحدثا عن لحظات الاشتهاء الأولى، ذكرته بها امرأة يقابلها فى جنازة أمه. سؤال الفن شىء آخر، إنه يكافح، مستنفدا كل حيلة، للإمساك بالجمال، ذلك الهش، والعابر وسريع الزوال. الولد البدين الخجول يرسم شوارع وبيوت ويجعل ناسا يسكنوها، فإذا أعجبت الله، كما أسر له الملاك، سيمنحها أرواحا ملونة. يرسم أمه، ولدى موتها أشرف بنفسه على وضع اللمسات الأخيرة في لوحته الأولى. وكأن ميزان الموت والجمال هنا تتأرجح على جانبيه كفتان، تعلو هذه لتهبط أختها، فى رقصة متوازنة وعجيبة. ولكن الفن لا ييأس من المحاولة، إذ يأتى سقوط الكاتب جوستاف فون آشنباخ، الذى يطارد تاجيو، الفتى البولندى على شاطئ منتجع فى فينيسا أوائل القرن العشرين، دون كلمة أو إشارة، غير "أحبك" واحدة يتيمة أسر بها إلى نفسه وهو يكاد يموت خجلا وتعبا. يطارده وكأنه شبح يتقدمه على الدوام، ويروغ منه فى المنعطفات مع أسرته، سرب إناث صامتات مثل راهبات متشابهات، ومع ذلك لا ييأس فون آشنباخ، يظل يحاول، فقد : "أصبح فجأة راغبا فى إضاءته بنور كلماته، اتجهت رغبته فى شوق إلى التعبير عن الحالة الراهنة لتاجيو، بالكتابة عن بنية الغلام واتخاذها مادة لعمله، وسيتابع بأسلوبه خطوط هذا الجسد الذى يبدو له ربانيا، وسينظر فى جماله بطريقة عقلانية" وظلت محاولته تلك نوعا من المرواغة أمام المكتوب، لا في صفحة الكتاب، ولكن على صفحة العالم المادي، نوعا من المقاومة اليائسة، التشبث الأخير بحيل الفن ورصانة الفكر. فكاتبنا الجليل لن يتتبع خطوط جسد الولد بأصابعه، كما سيكشف له عن ذلك حلم مقتضب ومشوش قبل موته بساعات، ولكن بأسلوبه، وكأنه يرجئ بهذا الموت، يعانده، موته هو وقد صار شيخا هرما، ولم تفلح لمسات الزينة أو الصبغة التى وضعها له الحلاق أن تخفي آثار الزمن، وموت الولد – أو على الأقل تغيره – رغم أنه جماله نفسه مهدد، إذ يبدو عليه شحوب المرض طوال الوقت. هشاشة الجمال وظل الموت المخيم عليه دائما، معان من السهل تتبعها فى الخيوط السردية الأخرى بشارع بسادة، حتى بعيدا عن الولد البدين الخجول، صانع العالم ومكتشف الأسرار. هذه الهشاشة نلمحها أيضا عند تأمل شخصية حسونة، الحسون، عصفور الحقول الشارد بحثا عن رزقه الشحيح من الملاليم ومن الحب كذلك، بائع سريح فى زحام الأسواق بين الفلاحين، رافعا ذيل جلبابه كاشفا عن مؤخرته بلا خجل، على هامش الهامش، بلا أهل أو سند. عصفور الحقول حسونة، يرفض الموت، على طريقته، وكأنه فى الحين نفسه يرفض الحب كذلك، الحب المعمر، الحب طويل الأجل، حب البيوت أو حتى أوكار المتعة السرية. وهو يرفض الموت حين يتجنب الذهاب بمن يصطادهم من الشباب العابرين إلى المقابر، ذلك أن حارس الجبانات هناك، يعرفه جيدا ولن يفوت تلك الفرصة، وهو – حسونة – مهما كان، يكره، أن تمس مؤخرته يد اعتادت أن تجوس فى جثث الموتى. وفى مقابل الأم، النموذج الأولى للجمال الوحشى عند الولد البدين الخجول أو الفتى تاجيو، لدى حسونة سيدة آلاجا، المومس القديمة، التى اكتفت الآن بنصبة شاى وقهوة، تستقبل تحت مظلة الخيش عشاقها القدامى، وتحنو هناك على حسونة. تبنته، شريطة أن يجرى على رزقه، وأن "يسترجل" شوية، وتروح تحكى له فى الأمسيات كثيرا من قصص العشق. مع حسونة، لا وجود للدراما الثقيلة التى تنتجها تناقضات مثل الحياة والموت والذكورة والأنوثة والشياطين والملائكة، وهى الثنائيات التى اعتمدتها نوفيلا شارع بسادة، لا لشئ إلا لتفككها وتتلاعب بها، وهو ما يظهر بوضوح لا مزيد عليه فى شخصية الحاج سمير وهدان، وهنا تبرز التناقضات وصار من الممكن بالتالى إنتاج الدراما. هناك – فى فينسيا – ثنائيات أخرى فاعلة بقوة، من ناحية شموخ الفكر وأنصاب الإرادة الإنسانية المتعالية، وعلى الطرف الآخر الشغف لحسى وتدفق الأهواء والغرائز الطليقة، ولم تكن معضلة الكاتب الكبير صاحب اللقب السامى فون آشنباخ سوى الاتكاء المبالغ فيه على أحد طرفى المعادلة، بعد أن قضى عمره كله متساميا، آخذا نفسه بالشدة، مكرسا نفسه لروتين عمله الصارم، محققا الصورة المثالية التى ينشدها القراء والمعجبون، والأهم أعضاء الأسرة الكبيرة التى ينتمى إليها، وهكذا وحين يعتصره الشغف فى قبضته، يقاوم مقاومة اليائس، ويعلن رغبته فى مغادرة فينسيا، ويحزم حقائبه، ويصل للمحطة التالية، وهناك كانت تنتظره مفاجأة صغيرة، حيث فقدت حقائبه وسافرت فى اتجاه آخر، وراح يبالغ فى إظهار نقمته وسخطه، مواريا الفرح المرتعش بداخله، يمكنه الآن أن يستسلم لقدره، يعود من جديد إلى فينسيا، إلى حيث يتمشى المعبود، تاجيو، على الشاطئ كل صباح، ويلعب مع أقرانه. سيعود، لكنه لن يستطيع العودة إلى صباه، رغم جهود المزين ورشات البودرة وأقلام الحواجب والصبغة، بوسعه على الأقل أن يموت، وقد سيطر الوباء على فينسيا، أمام الهيكل الفاتن للغلام، هناك، يبدو مظللا بالكامل أمام نور الشمس الغاربة فى الأفق... الاحتفال الأزلى بطاقة الحياة، واكتمال لوحة الجمال الحى وعنفوان الرغبة، كل هذا قادر على إخراس صوت الفكر والإرادة وطموحات الفن فى التقييد والتثبيت والخلود، الزوال جميل، والجميل زائل، ينكمش الفنان ويلملم أوراقه، ويأتون لحمله من مقعده على الشاطئ، بعد أن فقد العالم واحدا من أهم كتابه. جوستاف فون آشنباخ هو هنا أقرب إلى سمير وهدان، بطبيعة الحال، منه إلى حسونة، فالرغبة مقموعة بحكم تناقضات زرعتها المؤسسات الاجتماعية باختلاف ألوانها، وقيدت بها المنتمين إليها على اختلافهم، واختلاف أهوائهم وميولهم. لدى هذه المؤسسات الاجتماعية يوجد أبيض وأسود، ويوجد خير وشر، تماما كما يوجد الذكر والأنثى. ونتعرف على ميول سمير وهدان الجنسية، من خلال إطار أسطورى خرافى، يعتمده سمير نفسه – وربما النوفيلا كذلك – مسؤولية هذه الميول، وكأنه برئ منها، فأمه كانت تتمنى الولد بعد البنات، فلمس ولى صالح البذرة التى فى بطنها وجعل لها جسد ذكر فحل، لكن الولى الصالح ينسى أن يبدل الروح روحا أخرى، فبقيت روح الأنثى سجينة جسد الذكر. هنا نلحظ أيضا ثنائية الروح والجسد، وكأن سمير وهدان – بوعى أو بدون وعى – يستخدم ثنائيات رسخها المجتمع وسكنت من فجر التاريخ فى وعى الجماعة الإنسانية، وبدونها لا تنهض المؤسسة الاجتماعية الأقدم وهى الدين، يستخدم هذه الثنائيات نفسها، لكى يؤطر ميوله، يضعها فى حكاية أسطورية مثل الحكايات التى يعتمدها الدين وتحمل فى داخلها تاريخ الإنسان. حسونة خارج أسطورة الثنائيات، خارج المؤسسة الاجتماعية ولا تقدم له النوفيلا دراما خاصة به؛ رغم ما يوجد من إمكانيات حيث يسعى لرزقه الشحيح من الجنس مع مرتادى السوق، ممن لا يبخلون عليه بسيجارة، أو يشترون بقرش سودانى، مغامرين بفضيحة لو رآهم أحد معه، "وهو يقبل عطاياهم باعتبارها عربون محبة، وتهيئة لموعد آمن لا يجيئون فيه عادة". باستسلام فون آشنباخ لشغفه يستسلم للموت، لأنه مستسلم حتى النخاع إلى أحكام المؤسسة الاجتماعية وقوانينها، لم يحدث الفتى بكلمة، وتتبع خيوط جسده بالكلمات على الورق، ولم يترك الزمام لانفعالاته الشبقية إلا فى حلم هو أقرب إلى الكابوس، واحتمى بالأساطير على الدوام فى تغزله الخاص ومناجاته السرية للفتى، واستعان – غير مرة – بعلاقة الفيلسوف الشيخ بالمتعلم الشاب عند الفلاسفة الإغريق، ومال للجنس العقلى المتمثل فى الحوار المنطقى وأسرار الوجود: "لم يسبق له أن وجد طعم الكلمات أكثر حلاوة مما هى عليه الآن، لم يعرف أبدا أن الحب يقيم فى داخل الكلمات على هذا النحو". سمير وهدان يشعر بأنه متهم فى قضية أمام الوجود كله، فلا يتوقف عن الدفاع عن نفسه – عن ميوله – لحظة واحدة، ولا يتحدث إلا بلسان المؤسسة، ثنائياتها وأساطيرها، ويؤكد مرة بعد أخرى على اختلافه عن حسونة، يخاطب على، الذى استطاع أن يمس الروح الأنثوية التى بداخله مخترقا حجاب الجسد الذكورى: "أنا يا على لست مثل حسونة..." ثم بعد قليل: "لا فرق عندك بينى وبين حسونة..." وأيضا: "هذه روحى يا على، روحى التى نسيتها يد مبارة فى جسدى الجميل فحولته إلى ثلاجة.. جسدى ثلاجة جميلة، تحفظ روحا لا تغنى سوى بين يديك، أنا عاشقك وقاتلك، وأنت دفء روحى المنسية... روح منسية مثل روحى لا يوقظها سوى حيوان مثلك فيه رطوبة الطين ورائحة سعف النخيل..." نعم، دفاع هو أقرب للشعر، يصر على الابتعاد عن نموذج حسونة، تماما كما اشمأز جوستاف فون آشنباخ من العجوز المتصابى ذى الشعر الأحمر على متن السفينة، لسكران مرافق الشباب، وكلاهما يستعين بتجليات المؤسسة الاجتماعية السامية لينأى بنفسه عن الابتذال، عن العار، عن الجنس بلا مشهيات ولا مقبلات، عن الجنس وفقط، كالحيوانات، إما بالفن، حيث يمكن للحب أن يقيم داخل الكلمات، وإما بالحب – الابن الأشهر للمؤسسات الاجتماعية، بجميع تجلياته الدينية والشعرية – حيث يمكن لرغبة سمير وهدان أن تتميز وتتسامى عن حسونة وأمثاله، من الحيوانات. حسونة لا يدافع عن نفسه، ليس متهما، هو خارج الحسابات أساسا، ولعله فعلا لا يفرق بين الأجساد التى تتناوب عليه، ولكننا نعرف على الأقل واحدا لم يستلم له حسونة، وهو حارس الجبانات، لأنه يكره الموت، لأنه يهيم على وجهه بين الأجساد والأشواق غير المشبعة، مهما أشبعناها. وفى اللحظة التى يهرب فيها حسونة من الموت نجد سمير وهدان يقتل عليا، وإن لم يقتله بيده، يكتفى بأن وشى بمعبوده لزوج المرأة التى نام معها، ودله على الأدلة والقرائن الدامغة، هذه هى نوعية الدراما التى تنتجها المؤسسات الاجتماعية، والنتيجة المتوقعة على الدوام من صراع وجدلية المتنافضات: يقتل صاحب الرغبة غير المتحققة فتاه الذى أشعل فيه الحرائق ولمس روحه الأنثوية، وتمسك الكوليرا بالطبقات التى تعفنت على شواطئ فينسيا، وقد فات الأوان للكاتب الكبير أن يعود عن مشوار عمره كله، فيتجمد مثل تمثال ملح أمام مشهد المعبود الحى، بعد أن رُفعت الأقلام وطويت الصحف.

الخميس، 27 أغسطس 2009

فى سرديات سيد الوكيل

-->

فتنة اللغة والجسد والروح في سرديات سيد الوكيل

فهد العتيق

اللحظة السردية عند الروائي والناقد المبدع سيد الوكيل تتطور داخل النص مثل عاصفة صغيرة , تنمو وتتشظى, هادئة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى , ربما هي من ذاكرة اللحظة , اللحظة الفنية البكر, التي اختمرت في الذهن طويلا لكاتب مهموم , وهذه هي روح الكتابة الحديثة أو الجديدة , حيث لا دخول تقليدي قصدي مسبق يكسر عفوية واضحة و رفيعة للنص , عفوية فنية مبدعة تكشف بوضوح حالة صدق فني , مثلما تكشف عن كاتب مختلف ومتجدد بأدواته وقدراته , ومهموم بقضايا الإنسان في مجتمعة.
في قصة ضوء شاحب في النافذة , يتابع الكاتب تفاصيل حياة يومية , من خلال حكايات فيها متعة وجاذبية , تشعر أحيانا أنها ليست قصصا , لكنها شيء يشبه حقائق تتلبسنا مثل روح , ربما حين أتاح هذا السارد الممتع في (صاحبة الضوء الغافي) , لعفريت أن يزيح قليلا سدادة تحبسه , ليتسرب عطرها شيئا فشيئا في فضاء الحمام , وكانت قد أخذت المسجل ودخلت الحمام ثم انقطعت الكهرباء فجأة , حتى أنها حين خرجت عارية لتحضر شمعة وثقابا , ثم عادت فاجأها عطرها , كان عطرا معتقا لربع قرن من الزمان فداهمتها سكرة الحواس حتى أمكنها سماع فقاعات الصابون وهي تتنفس فوق جلدها لوقت هين , ثم تموت في صمت .
تتحول الحالة السردية إلى غناء أو بكاء أو رقص , أو كل هذا في وقت واحد , كما في (توق الأرواح) , نعايش فتنة جو قصصي طفولي جميل, يقول الكاتب : ( والله الواحد ليسلم بأن الروح دائما تتوق لأجساد أخرى, فعلي الذي سمع بكاء الحليب في نهدي مارسا , مال برأسه على صدرها هكذا , وأغمض عينيه , ومارسا التي لم يتقوس ظهرها تحت رجل من باغت الدرن صدر ناشد , جذبته إليها وبكت , فتقاطرت الدموع على شعره , وعندما رفع رأسه إليها قالت .. أنفاسك طاهرة ياعلي .. فقرب مني شفتيك.. ) .
كتابة الوكيل فيها متعة وتقدم رؤية من أعماق الحارة , من حجراتها وشوارعها الصغيرة وسطوحها , ومن أرواح مفتونة بالحياة , وتتألم كثيرا بسبب ظروف متناقضة تحيط بحياتها , كما تقدم رؤية موسيقية في ثنايا سرد لغته لا تكتفي بالحكي أو القص , لكنها تحاور هذا الواقع وتدخل معه في علاقة إبداعية عالية تحاول كشف مخبوء هذا الواقع , رؤية كأنها تستدرج هذا الواقع لكي يغني مأساته الجميلة وهواجسه النفسية المكبوتة .
نقرأ : (ومع ذلك فهذا الولد غنى للقمر , والعيون السود , وبحور الهوى , كأولاد كثيرين , غير انه لايجيد الرقص كما يظن هو , أو كما ينبغي للرقص أن ينبه الطيور ) .
لغة فيها موسيقى وإيحاء, تتلمس غنى الروح , وترتفع بالمعاش إلى مستوى الحلم وتحاكي حواس الإنسان, ثم تروي لك بهدوء , عذابات ساكنة لا تبارح مكانا ألفته واعتبرته جزءا من روحها المعذبة بالأسئلة , حالات غناء وحالات ضياع , وحالات فرح صامته , وحالات جنس خفيف تعبر عن تواصل إنساني حميم مزين بشهوة الصمت الإنساني الرفيع . كل هذا سوف تلمسه بروحك وذائقتك , جليا وصريحا , مثل عمود النار , وأنت تتجول في الحالات المسرودة بهدوء فنان , للكاتب الخلاق سيد الوكيل , بدءا من أيام هند , ومرورا ب للروح غناها , ثم رواية فوق الحياة قليلا , وقصص مثل واحد أخرو رواية شارع بسادة.
وحين تواصل السير في دروب هذا النص الهادئ والبسيط والعميق في آن واحد , ستكشف في داخله ثورة حداثة فنية , فيها مباغتة لأدق مشاعرنا, وفيها صور تتلوا علينا سور البهجة والألم وأسئلتهما التي نحاول تجاهلها كثيرا , وربما هذا السرد المتجدد الخلاق لانعثر عليه كثيرا الآن , لكن هذه الحالات المسرودة تتحقق بلغة شاعرية الروح والهوى , لغة فيها سلاسة تبعد عنها شبة التكلف , لغة تعالج موضوعاتها السردية بروح فن حقيقية , لكن أيضا روح مهمومة ومتألمة, تحيل الصورة إلى واقع حي أمامك , واقع مثير للأسئلة وللانتباه وللإعجاب .
لهذا تتجاوز نصوص السرد عند سيد الوكيل , التقديم التقليدي الذي يحضر للمشهد السردي بوصف مكرر للزمان والمكان , لكنه يدخل بك في عمق اللحظة السردية المتوترة بسلاسة لغوية فيها غناء وشجن , بقدر مافيها من قدرة على كشف خبايا المشاعر وخبايا دوافع السلوك , كما تتجاوز هذه النصوص مجرد (المقدرة التعبيرية الجميلة ) الموجودة عند كثير من الكتاب والكاتبات العرب , وتصل إلى مرحلة الإبداع الفني المدفوع بمغامرة الفن وحدها , اللغة والرؤية المتجددة للأشياء وللواقع اليومي , لتستوي أدبا رفيعا , أدب سردي يقدم صورا عالية الخيال لعالم يومي شديد الواقعية وشديد الكشف عن بؤس هذا الواقع , وبؤس وعينا , في التعامل مع الجسد كقيمة , وفي التعامل مع أسئلتنا السرية المهملة , لكن فيه اشياء ليذة مبثوثة , مثل حميمية العلاقة بين الناس في الحارة ورعشاتها العابرة :
يقول الراوي :(تغطى وجهها بطرحتها السوداء حتى لايراها الولد الذي باغتها بصوته الجديد في الأسبوع الفائت حتى أنها ابتسمت له وقالت : ـ أنت ابن سعاد ؟.. والله ماعرفتك . كبرت يا ولد وأخشن صوتك .هو أيضا ابتسم ، غير أنه لم يفعل شيئا سوى أن يمر من حجرة نومها إلى شرفتها ، ولم يقدر على أن ينظر في عينيها ويشوف رعشة عابرة .)
هنا منطقة الفنان سيد الوكيل , منطقة إبداعه الخاصة , صوته الخاص , منطقة تخاطب الروح و صوت يذهب بنا إلى حالات شديدة العمق في النفس البشرية , يذهب بنا ولا يعيدنا منها إلا ونحن محملين بذلك الشجن الذي يذكرنا برائحة قديمة , لأماكن مررنا بها , ولا أحد وسط لهاثنا اليومي و ركضنا اليومي الاستهلاكي المادي والروحي , يستطيع أن يعيدنا لها , سوى مثل هذه النصوص المضيئة بمشاهد تظن لفرط جمالها أنها حياة حقيقية تحدث أمامك لحظة القراءة . انه الشجن الكبير الذي يهب حياتنا اللاهثة معنى حقيقي , معنى يجعلنا نؤمن بمهمة الأدب الجوهرية في العودة بنا إلى ذواتنا , سرد متجاوز ومتحرر من الآثام الفنية مثل التكلف والافتعال والتصنع إلى أخره , وقبض على أسرار فن السرد بشكل واضح .
( تلك عادتها تضع ظهر كفها تحت الماء المندفع من الصنبور, وتضبط إيقاع الحرارة قبل أن تبدأ في غسل الصحون , كانت جمعتها بمجرد أن خرج الضيوف).
لم تكن الأدوات الفنية العالية للأديب القدير سيد الوكيل, هي ما أعطى تميزا لنصوصه القصصية, ولروايتيه الجميلتين , فوق الحياة قليلا وشارع بسادة , لكن ما تكشف عنه هذه النصوص الأدبية الرفيعة, من إبداع فني و رؤية فكرية حداثية خاصة بالكاتب, أو لنقل صوتا أدبيا متجددا خاصا به, على المستويين الفني والموضوعي, رؤية تعبر بأسى شديد عن هموم واقع يومي شديد الوطأة على شخوص النصوص, التي تتألم بصمت في الغالب , بينما نلحظ في النصوص صوتا عاليا لحواس الإنسان ,وبالذات الإبصار والشم , فيمنح المشهد للنص بعدا جديدا مؤثرا وفاعلا , يتوازى مع الإحساس العالي بالجسد , بالذات في قمة مجده أثناء تفتح أول زهرات المراهقة للولد والبنت .
(لكنها هربت بنظراتها في اتجاه النافذة فيما ظلت أصابعه تتحرك بحرية وتلمس ظهر كفها , كانت تشعر برعشة أصابعه واختلاج جسده يذوب في رجفتها ) .
وفي كثير من النصوص , تلاحظ التماهي الخلاق بين عالمين حميمين , عالم الواقع والحلم في آن واحد , فهي تحقق المزاوجة بين بساطة الصورة وعمق أبعادها وموسيقية روحها , ففي قصة ( ضوء شاحب في النافذة ) على سبيل المثال , من مجموعة للروح غناها الصادرة عن مختارات فصول , نلحظ أننا أمام لوحة سردية تشكيلية, فهناك خيط درامي صغير يربطها يبعضها ويكاد يحيلها إلى روايات قصيرة متتابعة بسلاسة موحية .أنه صوت خاص, نهض بمقدرة تعبيرية فذة .
والشيء الملفت الذي قد يشبه المعادلة الصعبة في هذا السرد , هو أن الحالات المسرودة في متوالياته القصصية وفي رواية فوق الحياة قليلا وفي فصول من روايته الجديدة شارع بسادة , رغم حمولاتها الثقافية الغنية , ورغم أنها مهمومة بقضايا واقع شرس , تقدم لنا الصورة الأدبية بكل قيمها الثقافية والإنسانية العالية , دون تكلف أو افتعال , فهي تعبر عن ذاتها السردية بهدوء وسلاسة وعذوبة فاتنة , وربما نؤكد هنا تحقق المعادلة الصعبة في الكتابة الرفيعة قيمة وثقافة واللغة الرفيعة والواضحة , في آن واحد, بروح فنية عالية المستوى فنا وموضوعا تؤكد القبض الصريح على أسرار كتابة موحية وعميقة , مع القدرة على كشف ارتباكات الإنسان وسط عالم شديد الغموض والبؤس والشراسة أحيانا .
فوق الحياة قليلا , قد نعتبرها نص الواقع الثقافي المأزوم والإنساني بامتياز كبير , نحن إزاء حالات شديدة الوضوح في تشتت رؤيتها , وشديدة الغموض في دلالاتها, التي تحتاج إلى ذهن صاف لإدراك حجم أزمة تحيل إلى واقع ثقافي صعب و معقد , هو نتيجة لواقع شديد التأزم , في مرحلة تشهد الكثير من التحولات السيئة , التي ألقت بظلالها على حياتنا العربية بشكل عام , نص يدين كل ممارسات الزيف في حياتنا ويفضح الكثير من المفاهيم المغلوطة في حياتنا اليومية وفي واقعنا الثقافي ,هناك لحظات سيرية قاربت الحياة ذاتها , وقربت النص من الروح الحميمة والصادقة , وكذلك بعض اللحظات الساخرة الجميلة , إنها رواية حديثة فعلا , ولها رؤيتها الجمالية والموضوعية الخاصة , فهي لم تكسر القواعد التقليدية فقط لكنها خلقت قواعدها الخاصة الجديدة والمتمكنة أيضا , ويمكن الإشارة إلى التكثيف الفني الذي أوجز حالات غنية في صفحات ليست طويلة أو مملة بالإضافة إلى ذلك التداخل الفني الخلاق بين شخوص أبطال الرواية وشخوص روايات أخرى , مع شخصيات أدبية موجودة أضفت على النص حياة أخرى لها طعم خاص وجمال خاص .
ويمكن لنا أن نفهم الحضور الطاغي للجسد في سرديات الوكيل , باعتباره صوت الروح التائقة لغناها , فهو حضور له علاقة بتركيز الكاتب في قصصه على حواس الإنسان , وكجزء من بطولات نصوصه التي هي أصلا بلا أبطال تقليديين نراهم كثيرا في قصصنا ورواياتنا التقليدية , التي تبدأ ببطل وتنتهي به , لكنها هنا تبدأ بصورة , تم تتوالى الصور الحسية بلغة رشيقة , تقدم لنا أدبا جديدا في كل عناصره الفنية , أدب يعبر عن واقع حال يبحث عن إجابات لأسئلته الغامضة والمريرة .
(لكن جسدي هو الذي قاوم ويداي تشبثتا بقوة غامضة , وفي تلك اللحظة كان جسدي خفيفا وكان الأجساد التي تدفعني لاوجود لها , إذا أردت أن تتخلص من الموت كل ما عليك هو أن تموت).
التوالي السردي في مثل واحد أخر, وللروح غناها , وأيضا في الرواية فوق الحياة قليلا وفي الرواية الجديدة شارع بسادة ,تقرأها كمتوالية روائية جديدة الفن , ذلك انك سوف تلمس في حال يقظة القراءة , خيطا شفافا ومهما , يسري مثل ماء , في نهر هذه الحالات السردية الرفيعة فعلا , ويجعل منها جزرا متواصلة إذا شئت وجزر معزولة إذا شئت أيضا , فأنت بطل النص أيها القارئ ولك حرية التأويل والاستمتاع والفهم والتخيل أيضا.
( سأترك لكم تخيل ما يراه وعلى سبيل الاحتياط ,هي شقة عادية لشاب وحيد ماتت أمه منذ عامين في طرقة رطبة بين المطبخ والحمام ) .
هنا في قصص الصور اليومية الحميمة يبدع سيد الوكيل حوارات واضاءات إنسانية غاية في الدفء والحميمية , ضوء شاحب في النافذة , قصة تنقلنا بحرفية فنية إلى عالم واقعي يوازي عالم الفن في جماله .
(في وقت ما حين عرف أنها تغار كان يختلق قصصا يحكي لها عن زميلات العمل أو فتيات خطرن في حياته يثير تعليقات مكشوفة عن امرأة كان يقول مثلا زى الفرس , وتكون تلك لياليها المسهدة وقلقها الذي لايكف , وتشف عيناها بخوف دفين ويحب أن يقترب منها يلمسها فلا تقاوم طويلا ويداري ابتسامة حين تبكي بين ذراعيه ) .
إنها نصوص سيد الوكيل السردية الخاصة بعالمها الخاص الذي لايشبه عالما آخر , نصوص توق الأرواح والأجساد ,الأرواح التي دائما تتوق لأجساد أخرى ,الأرواح التي عانقت الجسد طويلا, وأثمرت حالات ونصوص سردية , كنا نظنها قصصا , لكننا بعد قليل اكتشفنا أنها حقيقة تتلبسنا مثل روح .
* الرياض 2009م
fahdateq@windowslive.com

الثلاثاء، 7 يوليو 2009

حوار المدى

حاورته : سولاف هلال- القاهرة يحتفي الروائي «سيد الوكيل» بالإنسان عبر المكان في مجموعة علاقاته في آخر إصداراته الروائية التي شكلت علامة أخرى من علامات تميزه السردي. ورواية «شارع بسادة» رواية شائكة في بنائها الفني ولم تقم سرديتها على حبكة مألوفة كالتي تتصل مع الواقع مباشرة دون فلسفته ومساءلته ، إنما تقصدت الواقع وانتمت إليه لكنها افترقت عنه بمعطيات فنية كثيرة ؛ ولهذا لاقت هذه الرواية ما تستحقه من ثناء نقدي وإطراء نخبوي واضح المعالم . سيد الوكيل في هذا اللقاء يتماهى مع «شارع بسادة» ويتوغل في بعض جزئيات روايته واشتغالاته المعرفية عليها .  روايتك « شارع بسادة» تحيلنا إلى اسم مكان، ما هي علاقتك بالمكان على مستوى الرواية ؟ - المكان ليس معنى جغرافيا على الإطلاق ، هو مجموعة من العلاقات التي يكون الإنسان عنصرا رئيسا فيها ، وليس فى روايتي احتفاء بالمكان على نحو منعزل عن هذه العلاقات التي تنتج عبر الممارسات اليومية والطموحات الصغيرة لشخصيات تبدو مهمشة مثلما المكان ذاته ، وعندما تستطيع كائنات المكان أن تعبر عن نفسها فهي تمنح للمكان خصوصيته ، ومن ثم يبدو المكان بطلا على نحو مايشير له عنوان الرواية ، ولكن الحقيقة ، إن هذه البطولة ليست منحة إلهية لقطعة من أرضه ، بل هي منحة الإنسان ذاته ، لهذا لا أحب أن تقرأ روايتي على أنها رواية مكان ، فهذا طموح فقير وبسيط . أظنها معنية أكثر بالإنسان وأسئلته الوجودية التي لاتنتهى ، ومن بين هذه الأسئلة مساءلة المكان ذاته. صحيح أن للمكان في الرواية وجوداً حقيقياً في حياتي ، وقد عشت فيه فترة من عمري ، ولكنى لا أكتبه لكي احتفى به أو أخلده ، بل لأسئله وأبحث فيه عن ذاتي، باختصار، المكان هنا ليس موضوعا بل هو ذات مؤرقة محتشدة بالأسئلة والهزائم الصغيرة .  هذه الرواية تحتاج إلى تلق خاص وقارئ غير عادي ، ما الذي أرادت « شارع بسادة « إيصاله في تركيبتها الفنية والنفسية ؟ - هذا سؤال صعب ، لأنني في الحقيقة لم تكن عندي رسالة واضحة للقارئ ، لقد كتبت هذه الرواية على مدى سنوات طويلة رغم صغر حجمها ، طوال هذه السنوات أعدت كتابتها عشرات المرات ، أنا شخصيا كنت مرتبكا ومجذوبا لكتابة هذه التجربة بشكل قدري فيه كثير من الهوس ، واظن أن السبب في ذلك أن عالمها لصيق بذاتي إلى درجة لا تمكنني من رؤيته واضحا ومستقلا ،ومن ثم يبدو الراوي هنا تمثيلا لي كمؤلف، فقد عشت في مرحلة من حياتي بهذا المكان محاطا بظروف بالغة القسوة ، كنت صبيا وحيدا مسكونا بحزن الملائكة وجنون الشياطين ، وفى مرحلة شائكة من حياتي وهى مرحلة تفتح الحواس وطرح الأسئلة البكر التي شكلت فيما بعد وعيي وحددت طريقتي في فهم الحياة والكتابة نفسها، والراوي صبى يعاني وهو موزع بين معايير ثقافية عن المقدس والمدنس فرضها المكان .  هناك أكثر من بعد في النص ولا يتكشف هذا الأمر من القراءة الأولى ، لماذا تعمدت هذا الإرباك للقارئ ؟ - لم يكن لدي شيء واضح ، لهذا كانت الكتابة ـ نفسها ـ هي طريقتي في الفهم والمعرفة ، أو بمعنى آخر ، الكتابة هي صيغة للبحث ، وهذه طريقة للكتابة مختلفة عن طريقة الكاتب الذي يمتلك معارف يقينية يسعى إلى إبلاغ الناس بها ، ومن ثم تحتاج لقارئ مختلف ونوعي ، يقظ الحواس وليس مجرد متلق سلبي لما أقول ، فربما الارتباك الذي يشعر به القارئ مساو لارتباكي شخصيا تجاه الأسئلة التي تقلقني، لكن القارئ لن يشعر بالتعالي عليه أو بقصدية إرباكه ، لهذا اعتقد أنه سيحب العمل ويبذل بعض الجهد ويتحملني ، والقارئ مستعد أن يعانى قليلا إذا وجد في النص وعدا بمزيد من المتعة مع كل قراءة ، لأننا حين نمارس فعلا ممتعا نرغب في المزيد منه وسنقبل بعض المعاناة أو الألم في سبيل ذلك . إن اللذة التي يمنحها لنا النص أشبه بممارسة الجنس على حد تعبير رولان بارت ، لهذا نمارس مزيدا من لذة القراءة بحثا عن لحظة إشباع .  لماذا اقتصرت رؤيتك للمقدس والمدنس في الرواية على فكرة الجنس التي تحضر بكثافة خلال العمل ؟ - لا اعتقد بأن هناك مسافة كبيرة بين المقدس والمدنس ، هذه المسافة هي نتاج ثقافي لكنها ليست موجودة في الحقيقة ، فعبر التاريخ اخترع البشر العديد من الثنائيات وانحازوا لبعضها ضد الآخر ، قدسوا الروح واحتقروا الجسد ، أحبوا الملائكة وكرهوا الشياطين، عظموا الرجل وهمشوا المرأة ، وفيما بعد صارت هذه الثنائيات وكأنها في صراع مع بعضها،مع أنهما في الأصل كانا شيئا واحدا ، فإبليس هو نفسه طاووس الملائكة، والشجرة المحرمة منحت آدم وحواء حقا مقدسا فكان لهما نسل عظيم يعمر الأرض ويعبد الله ويكون خليفته فيها، هكذا يولد المدنس من قلب المقدس والعكس صحيح . وهذه الآلية ، هي في الحقيقة إرادة إلهية ، لقد كان لدى الله ملائكة وشياطين ، ولكنه خلق الإنسان ليجمع بين النقيضين في خلق واحد وفضله على جميع ما خلق . والجنس هو التمثيل الأبرز لتماهي المقدس والمدنس، فهو الوسيلة التي اختارها الله لعملية الخلق لتكون دالا قويا على وجوده وقدراته ، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى ارتقى بالجنس من الأداء الوظيفي لمجرد التناسل وحفظ النوع ، إلى الأداء الجمالي ليصبح الجنس فعلا خالصا لذاته، وفى هذا الارتقاء نوع من التقديس، وهو معنى صوفي يتجلى في لحظة التوحد الحقيقية بين الثنائيات المتضادة ، الروح والجسد أو الرجل والمرأة أو المقدس والمدنس.  تعرضت في الرواية لمسألة الشذوذ الجنسي ، ما هي رؤيتك لهذا الأمر كحالة استثنائية في الحياة ؟ - علميا لا يوجد جنس يخلو من انحراف سوى الجنس الوظيفي بغرض التناسل بين الحيوانات مثلا ، وغير ذلك هو نوع من الانحراف عن أصول الغريزة ، وهذا الانحراف يختلف في درجاته ، والشذوذ الجنسي هو أقصى درجات الانحراف ، صحيح هو يمثل أعلى درجات الجنس المجرد لذاته وأبعدها عن الوظيفة ، ولكنه يفتقد لفكرة توحد الثنائيات المتضادة التي اعتبرها لحظة التوحد بين المقدس والمدنس ، لهذا يعتبر شذوذا . والرواية تناولته بين صور الجنس المختلفة لأنه حالة موجودة في الحياة كما قلت في سؤالك ، ولكن الرواية لا تحتفي به بقدر ما تنشغل بعذابات أصحابه كحالات إنسانية لاتستطيع أن تتصالح مع الآخر ولا حتى مع نفسها، أنها أكثر درجات الاغتراب الإنساني شراسة . هكذا كان سمير وهدان أحد شخصيات الرواية ، كانت أمه تقدم الذبائح للولي ، تبكى وترجوه أن يهبها ولدا بعد أن أنجبت سبع بنات ، وعندما رق الولي لحالها بدل جسد البنت التي في بطنها إلى ولد ونسى أن يبدل روحها ، فخرج سمير إلى الحياة بجسد رجل وروح امرأة .  هل هناك تساؤلات ما ورائية مطروحة في الرواية ، هل عثرت على إجابة ما لتساؤلاتك بعد كتابة هذا العمل ؟ - كل إنسان في الوجود هو حالة خاصة ، ومن ثم فهو يطرح أسئلته الخاصة على الوجود ، وبهذه الطريقة فالأسئلة لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة ، والأدب سيظل يطرح الأسئلة لأنه طريقتنا في الإدراك الحسي للعالم ، صحيح أن الرواية تحاول البحث عن إجابة لأسئلتي الذاتية ، لكنها لاتزعم أنها وجدت إجابات ، ببساطة ، لو كانت لدى إجابات لما كتبت . وهذا الإحساس بالنقصان والجوع النفسي والفكري والحسي ،هو ما يمنحني دافعية للكتابة .  أنت روائي ومهتم بالنقد ولديك عدة إصدارات في المجالين ، هل ترى أنك حققت جزءا من مشروعك الإبداعي والنقدي ؟ - عموما أنا كاتب مقل في إنتاجي ، فلي روايتان وثلاث مجموعات قصصية وكتابان في النقد ، وهذا قليل بالنسبة لرجل فى منتصف الخمسين ، لهذا لا أشعر أنني كتبت الكثير مما أرغب في كتابته ، هذا على مستوى الكم ، أما على مستوى الكيف فلا أرغب أبدا في الشعور بالرضا ، ودائما أصبو إلى تجاوز ما كتبت وأضع نصب عيني مقولة طه حسين : إن الكاتب إذا اطمأن فسد .  أنت مهتم بالفن التشكيلي كيف تصف علاقة الكتابة بالرسم ؟ - بدأت فنانا تشكيليا ، لكنني وجدت في الرسم بالكلمات عوضا عن الرسم بالفرشاة ، إنه يوفر لي قدرا أكبر من إمكانات التعبير عن ذاتي ، ولقد نقلت خبرتي البصرية إلى اللغة ، وأزعم أنني مميز في هذا بين كتاب جيلي ، ومن حسن الحظ أننا نعيش عصر الصورة ، فبدا أن كتاباتي متوافقة مع هذا العصر، ولقد لاحظ الدكتور شاكر عبد الحميد هذا وخصص فصلا كاملا عن حضور الصورة في قصصي ضمن كتابه المهم ( عصر الصورة ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة .  بوصفك مهتماً بتقديم دراسات حول الأدب النسوي ، ما هي رؤيتك لكتابة المرأة العربية ؟ - حضور المرأة في المشهد الأدبي كبير ، وهو حضور ليس على مستوى الكم فقط ، بل على مستوى الكيف أيضا ، حتى يمكن القول أن الكتابة الجديدة ذات نزوع نسوى واضح سواء على مستوى شفافية اللغة والبعد عن تراكيب الفحولة البلاغية القديمة ، أم على مستوى توجه الخطاب إلى اليومي والهامشي ، وهو يتوافق بقوة مع توجهات الخطاب النسوي . ويبدو أن وسائط التكنولوجيا الحديثة منحت المرأة فرصة واسعة للمشاركة متجاوزة محذورات النشر القديمة ، أنهن الآن يتصدرن صفحات الإنترنت وشاشات التلفاز ، وهذا الوضع جعل المشهد واسعا على امتداد الخريطة العربية ، فمشاركة المرأة في المشهد الأدبي لم تعد مقتصرة على الدول التقليدية مثل مصر وسوريا أو لبنان ، ولكننا نجدها في اليمن والخليج العربي والسعودية أيضا وإن ظلت على استحياء نتيجة للطبيعة المحافظة لهذه الدول .وهناك موضوعات تتميز فيها المرأة غير الموضوع الاجتماعي الذي صار نسويا بالدرجة الأولى ، لننظر إلى أدب الحرب مثلا ، لقد اكتسب ملامح مميزة عند النساء اللاتي اقتربن من هذه التجربة فاقترب من الإنساني وابتعد عن الخطابية كما نجد عند : إيمان حميدان يونس وهالة كوثرانى ولنا عبد الرحمن من لبنان وعالية طالب وبثينة الناصري من العراق ، ومن فلسطين نعمة خالد ، لكن المشهد متسع ومتعدد . سيد الوكيل في سطور

الاثنين، 1 يونيو 2009

http://almadapaper.net/paper.php?source=ak...e&sid=68122 حوار جريدة المدى العراقية حول رواية شارع بسادة

الجمعة، 1 مايو 2009

من شخصيات شارع بسادة

شيخ المعهد الأزهرى

ثم من هذا؟! آه.. شيخ المعهد الأزهري في البلدة، المنتدب ـ أصلاً ـ من المعهد الأحمدي بطنطا. الحقيقة هو لا يعود لقضاء العطلة الأسبوعية بين أهله سوي مرة واحدة كل أول شهر، وتصادف أنه أمضي أسبوعا كاملا بين أهله. ها هو ينهي أجازته؛ ليعود في القطار الأخير لأن عليه أن يكون في صباح السبت بين الشيوخ الأطفال؛ ليذوب بينهم. هو نفسه يشبه الأطفال تماماً. قصير جدًّا، ونحيف جدًا، وخفيض الصوت جداً جداً. وهو فوق ذلك خجول حتى لا يقوي على النظر في عيون تلاميذه. هذه صفات لا يمكن أن تجتمع في شيخ أزهري إلا هو؛ لهذا فإن أحداً لا يشعر بوجوده، لا بسفره ولا بعودته، حتى إن العربجية المتحفزين لزبائنهم يخطئون وجوده عادة. ربما يفاجأ به أحدهم وهو يهم بالانصراف بعد أن يئس من الفوز بزبون، وغالباً لن يهتم به، فالشيخ الصغير لا يركب الحناطير إلا نادرًا، وعادة يكون آخر الخارجين من النفق، يمشي بخطوات متعثرة ملاصقاً للبيوت والأرصفة. ينظر للأرض كأنما يبحث عن ظله، يصل إلي بيته المجاور للمعهد الأزهري بعد عشرين دقيقة من المشي بحساب خطواته الصغيرة، غير أنه في ليلة مثل هذه، سيفكر بالتأكيد في ركوب حنطور، إنها ليلة باردة، والطرق موحلة، وهو حريص علي ألا يوسخ ذيل "كاكولته" التي يبقي فيها لشهر كامل قبل أن يعود في أجازة أخري. دعونا لا ننشغل به، فهو ليس الرجل الذي ينتظره رجب علي أية حال. فهذا الشيخ الصغير سيختفي من الوجود تماماً بعد أيام قليلة من تلك الليلة. سيكون رجلنا الذي ينتظره رجب هو الأكثر غربة بين كائنات النفق هذا. سيكون غريبا حتى عن جسده واسمه. أما شيخنا الصغير، فسوف يختفي تماما. هو ـ في الحقيقة ـ كان مهيّئًا للاختفاء. سيحدث هذا بعدما اتهمته صاحبة البيت بالتحرش بابنتها القاصر. طبعا فضيحة. كان يحتاج لفضيحة حتى يشعر الناس به. فضيحة ستجعله حديث الناس لبضعة أيام وكأنهم فوجئوا بوجوده بينهم. سيختفي تماما، لكن الناس ستذكره كثيرا، كلما مرت في شوارعهم بنت بعيون شقية ونَهديْن لَعوبين، لا بد أتعبا الشيخ الصغير كثيرا حتى يمسك بهما.

من شخصيات شارع بسادة

مدرب فريق مصنع الغزل

مدرب فريق مصنع الغزل الذي كان لاعبا في نادي طنطا، وتصادف أن أحرز هدفاً في عادل هيكل؛ فدخل التاريخ من غير قصد، خرج فريقه خسرانَ بستة أهداف. أما هو؛ فاز بصورة في جريدة المساء اعتبرت سبقًا صحفيًا؛ لأن المصور سجل لحظة نادرة: عادل هيكل يطير في الهواء، والكرة تدخل المرمي، ومن وراء الشبكة ثمة نقاط بيضاء وسوداء كثيرة. كانت تلك جماهير ستاد طنطا تهلّل لحظة دخول الهدف الوحيد لهم، هكذا.. جمعت الصورة كل شيء إلا الذي شاط الكرة. هو لا يظهر في الصورة. فقط.. قدم مكمورة في حذاء رياضي، مجرد قدم لا أكثر، لكنه قص الصورة بعناية وشالها في محفظته، وكلما جاءت مناسبة يخرجها. هوـ في الحقيقة ـ لا يخرجها من محفظته، ولا يعرضها علي أحد إلا نادرا، إذ كان عليه في كل مرة أن يقول بحسرة: ـ أنا الذي شاط الكرة. والله أنا.. بص.. دي رجلي.