الخميس، 27 أغسطس، 2009

فى سرديات سيد الوكيل

-->

فتنة اللغة والجسد والروح في سرديات سيد الوكيل

فهد العتيق

اللحظة السردية عند الروائي والناقد المبدع سيد الوكيل تتطور داخل النص مثل عاصفة صغيرة , تنمو وتتشظى, هادئة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى , ربما هي من ذاكرة اللحظة , اللحظة الفنية البكر, التي اختمرت في الذهن طويلا لكاتب مهموم , وهذه هي روح الكتابة الحديثة أو الجديدة , حيث لا دخول تقليدي قصدي مسبق يكسر عفوية واضحة و رفيعة للنص , عفوية فنية مبدعة تكشف بوضوح حالة صدق فني , مثلما تكشف عن كاتب مختلف ومتجدد بأدواته وقدراته , ومهموم بقضايا الإنسان في مجتمعة.
في قصة ضوء شاحب في النافذة , يتابع الكاتب تفاصيل حياة يومية , من خلال حكايات فيها متعة وجاذبية , تشعر أحيانا أنها ليست قصصا , لكنها شيء يشبه حقائق تتلبسنا مثل روح , ربما حين أتاح هذا السارد الممتع في (صاحبة الضوء الغافي) , لعفريت أن يزيح قليلا سدادة تحبسه , ليتسرب عطرها شيئا فشيئا في فضاء الحمام , وكانت قد أخذت المسجل ودخلت الحمام ثم انقطعت الكهرباء فجأة , حتى أنها حين خرجت عارية لتحضر شمعة وثقابا , ثم عادت فاجأها عطرها , كان عطرا معتقا لربع قرن من الزمان فداهمتها سكرة الحواس حتى أمكنها سماع فقاعات الصابون وهي تتنفس فوق جلدها لوقت هين , ثم تموت في صمت .
تتحول الحالة السردية إلى غناء أو بكاء أو رقص , أو كل هذا في وقت واحد , كما في (توق الأرواح) , نعايش فتنة جو قصصي طفولي جميل, يقول الكاتب : ( والله الواحد ليسلم بأن الروح دائما تتوق لأجساد أخرى, فعلي الذي سمع بكاء الحليب في نهدي مارسا , مال برأسه على صدرها هكذا , وأغمض عينيه , ومارسا التي لم يتقوس ظهرها تحت رجل من باغت الدرن صدر ناشد , جذبته إليها وبكت , فتقاطرت الدموع على شعره , وعندما رفع رأسه إليها قالت .. أنفاسك طاهرة ياعلي .. فقرب مني شفتيك.. ) .
كتابة الوكيل فيها متعة وتقدم رؤية من أعماق الحارة , من حجراتها وشوارعها الصغيرة وسطوحها , ومن أرواح مفتونة بالحياة , وتتألم كثيرا بسبب ظروف متناقضة تحيط بحياتها , كما تقدم رؤية موسيقية في ثنايا سرد لغته لا تكتفي بالحكي أو القص , لكنها تحاور هذا الواقع وتدخل معه في علاقة إبداعية عالية تحاول كشف مخبوء هذا الواقع , رؤية كأنها تستدرج هذا الواقع لكي يغني مأساته الجميلة وهواجسه النفسية المكبوتة .
نقرأ : (ومع ذلك فهذا الولد غنى للقمر , والعيون السود , وبحور الهوى , كأولاد كثيرين , غير انه لايجيد الرقص كما يظن هو , أو كما ينبغي للرقص أن ينبه الطيور ) .
لغة فيها موسيقى وإيحاء, تتلمس غنى الروح , وترتفع بالمعاش إلى مستوى الحلم وتحاكي حواس الإنسان, ثم تروي لك بهدوء , عذابات ساكنة لا تبارح مكانا ألفته واعتبرته جزءا من روحها المعذبة بالأسئلة , حالات غناء وحالات ضياع , وحالات فرح صامته , وحالات جنس خفيف تعبر عن تواصل إنساني حميم مزين بشهوة الصمت الإنساني الرفيع . كل هذا سوف تلمسه بروحك وذائقتك , جليا وصريحا , مثل عمود النار , وأنت تتجول في الحالات المسرودة بهدوء فنان , للكاتب الخلاق سيد الوكيل , بدءا من أيام هند , ومرورا ب للروح غناها , ثم رواية فوق الحياة قليلا , وقصص مثل واحد أخرو رواية شارع بسادة.
وحين تواصل السير في دروب هذا النص الهادئ والبسيط والعميق في آن واحد , ستكشف في داخله ثورة حداثة فنية , فيها مباغتة لأدق مشاعرنا, وفيها صور تتلوا علينا سور البهجة والألم وأسئلتهما التي نحاول تجاهلها كثيرا , وربما هذا السرد المتجدد الخلاق لانعثر عليه كثيرا الآن , لكن هذه الحالات المسرودة تتحقق بلغة شاعرية الروح والهوى , لغة فيها سلاسة تبعد عنها شبة التكلف , لغة تعالج موضوعاتها السردية بروح فن حقيقية , لكن أيضا روح مهمومة ومتألمة, تحيل الصورة إلى واقع حي أمامك , واقع مثير للأسئلة وللانتباه وللإعجاب .
لهذا تتجاوز نصوص السرد عند سيد الوكيل , التقديم التقليدي الذي يحضر للمشهد السردي بوصف مكرر للزمان والمكان , لكنه يدخل بك في عمق اللحظة السردية المتوترة بسلاسة لغوية فيها غناء وشجن , بقدر مافيها من قدرة على كشف خبايا المشاعر وخبايا دوافع السلوك , كما تتجاوز هذه النصوص مجرد (المقدرة التعبيرية الجميلة ) الموجودة عند كثير من الكتاب والكاتبات العرب , وتصل إلى مرحلة الإبداع الفني المدفوع بمغامرة الفن وحدها , اللغة والرؤية المتجددة للأشياء وللواقع اليومي , لتستوي أدبا رفيعا , أدب سردي يقدم صورا عالية الخيال لعالم يومي شديد الواقعية وشديد الكشف عن بؤس هذا الواقع , وبؤس وعينا , في التعامل مع الجسد كقيمة , وفي التعامل مع أسئلتنا السرية المهملة , لكن فيه اشياء ليذة مبثوثة , مثل حميمية العلاقة بين الناس في الحارة ورعشاتها العابرة :
يقول الراوي :(تغطى وجهها بطرحتها السوداء حتى لايراها الولد الذي باغتها بصوته الجديد في الأسبوع الفائت حتى أنها ابتسمت له وقالت : ـ أنت ابن سعاد ؟.. والله ماعرفتك . كبرت يا ولد وأخشن صوتك .هو أيضا ابتسم ، غير أنه لم يفعل شيئا سوى أن يمر من حجرة نومها إلى شرفتها ، ولم يقدر على أن ينظر في عينيها ويشوف رعشة عابرة .)
هنا منطقة الفنان سيد الوكيل , منطقة إبداعه الخاصة , صوته الخاص , منطقة تخاطب الروح و صوت يذهب بنا إلى حالات شديدة العمق في النفس البشرية , يذهب بنا ولا يعيدنا منها إلا ونحن محملين بذلك الشجن الذي يذكرنا برائحة قديمة , لأماكن مررنا بها , ولا أحد وسط لهاثنا اليومي و ركضنا اليومي الاستهلاكي المادي والروحي , يستطيع أن يعيدنا لها , سوى مثل هذه النصوص المضيئة بمشاهد تظن لفرط جمالها أنها حياة حقيقية تحدث أمامك لحظة القراءة . انه الشجن الكبير الذي يهب حياتنا اللاهثة معنى حقيقي , معنى يجعلنا نؤمن بمهمة الأدب الجوهرية في العودة بنا إلى ذواتنا , سرد متجاوز ومتحرر من الآثام الفنية مثل التكلف والافتعال والتصنع إلى أخره , وقبض على أسرار فن السرد بشكل واضح .
( تلك عادتها تضع ظهر كفها تحت الماء المندفع من الصنبور, وتضبط إيقاع الحرارة قبل أن تبدأ في غسل الصحون , كانت جمعتها بمجرد أن خرج الضيوف).
لم تكن الأدوات الفنية العالية للأديب القدير سيد الوكيل, هي ما أعطى تميزا لنصوصه القصصية, ولروايتيه الجميلتين , فوق الحياة قليلا وشارع بسادة , لكن ما تكشف عنه هذه النصوص الأدبية الرفيعة, من إبداع فني و رؤية فكرية حداثية خاصة بالكاتب, أو لنقل صوتا أدبيا متجددا خاصا به, على المستويين الفني والموضوعي, رؤية تعبر بأسى شديد عن هموم واقع يومي شديد الوطأة على شخوص النصوص, التي تتألم بصمت في الغالب , بينما نلحظ في النصوص صوتا عاليا لحواس الإنسان ,وبالذات الإبصار والشم , فيمنح المشهد للنص بعدا جديدا مؤثرا وفاعلا , يتوازى مع الإحساس العالي بالجسد , بالذات في قمة مجده أثناء تفتح أول زهرات المراهقة للولد والبنت .
(لكنها هربت بنظراتها في اتجاه النافذة فيما ظلت أصابعه تتحرك بحرية وتلمس ظهر كفها , كانت تشعر برعشة أصابعه واختلاج جسده يذوب في رجفتها ) .
وفي كثير من النصوص , تلاحظ التماهي الخلاق بين عالمين حميمين , عالم الواقع والحلم في آن واحد , فهي تحقق المزاوجة بين بساطة الصورة وعمق أبعادها وموسيقية روحها , ففي قصة ( ضوء شاحب في النافذة ) على سبيل المثال , من مجموعة للروح غناها الصادرة عن مختارات فصول , نلحظ أننا أمام لوحة سردية تشكيلية, فهناك خيط درامي صغير يربطها يبعضها ويكاد يحيلها إلى روايات قصيرة متتابعة بسلاسة موحية .أنه صوت خاص, نهض بمقدرة تعبيرية فذة .
والشيء الملفت الذي قد يشبه المعادلة الصعبة في هذا السرد , هو أن الحالات المسرودة في متوالياته القصصية وفي رواية فوق الحياة قليلا وفي فصول من روايته الجديدة شارع بسادة , رغم حمولاتها الثقافية الغنية , ورغم أنها مهمومة بقضايا واقع شرس , تقدم لنا الصورة الأدبية بكل قيمها الثقافية والإنسانية العالية , دون تكلف أو افتعال , فهي تعبر عن ذاتها السردية بهدوء وسلاسة وعذوبة فاتنة , وربما نؤكد هنا تحقق المعادلة الصعبة في الكتابة الرفيعة قيمة وثقافة واللغة الرفيعة والواضحة , في آن واحد, بروح فنية عالية المستوى فنا وموضوعا تؤكد القبض الصريح على أسرار كتابة موحية وعميقة , مع القدرة على كشف ارتباكات الإنسان وسط عالم شديد الغموض والبؤس والشراسة أحيانا .
فوق الحياة قليلا , قد نعتبرها نص الواقع الثقافي المأزوم والإنساني بامتياز كبير , نحن إزاء حالات شديدة الوضوح في تشتت رؤيتها , وشديدة الغموض في دلالاتها, التي تحتاج إلى ذهن صاف لإدراك حجم أزمة تحيل إلى واقع ثقافي صعب و معقد , هو نتيجة لواقع شديد التأزم , في مرحلة تشهد الكثير من التحولات السيئة , التي ألقت بظلالها على حياتنا العربية بشكل عام , نص يدين كل ممارسات الزيف في حياتنا ويفضح الكثير من المفاهيم المغلوطة في حياتنا اليومية وفي واقعنا الثقافي ,هناك لحظات سيرية قاربت الحياة ذاتها , وقربت النص من الروح الحميمة والصادقة , وكذلك بعض اللحظات الساخرة الجميلة , إنها رواية حديثة فعلا , ولها رؤيتها الجمالية والموضوعية الخاصة , فهي لم تكسر القواعد التقليدية فقط لكنها خلقت قواعدها الخاصة الجديدة والمتمكنة أيضا , ويمكن الإشارة إلى التكثيف الفني الذي أوجز حالات غنية في صفحات ليست طويلة أو مملة بالإضافة إلى ذلك التداخل الفني الخلاق بين شخوص أبطال الرواية وشخوص روايات أخرى , مع شخصيات أدبية موجودة أضفت على النص حياة أخرى لها طعم خاص وجمال خاص .
ويمكن لنا أن نفهم الحضور الطاغي للجسد في سرديات الوكيل , باعتباره صوت الروح التائقة لغناها , فهو حضور له علاقة بتركيز الكاتب في قصصه على حواس الإنسان , وكجزء من بطولات نصوصه التي هي أصلا بلا أبطال تقليديين نراهم كثيرا في قصصنا ورواياتنا التقليدية , التي تبدأ ببطل وتنتهي به , لكنها هنا تبدأ بصورة , تم تتوالى الصور الحسية بلغة رشيقة , تقدم لنا أدبا جديدا في كل عناصره الفنية , أدب يعبر عن واقع حال يبحث عن إجابات لأسئلته الغامضة والمريرة .
(لكن جسدي هو الذي قاوم ويداي تشبثتا بقوة غامضة , وفي تلك اللحظة كان جسدي خفيفا وكان الأجساد التي تدفعني لاوجود لها , إذا أردت أن تتخلص من الموت كل ما عليك هو أن تموت).
التوالي السردي في مثل واحد أخر, وللروح غناها , وأيضا في الرواية فوق الحياة قليلا وفي الرواية الجديدة شارع بسادة ,تقرأها كمتوالية روائية جديدة الفن , ذلك انك سوف تلمس في حال يقظة القراءة , خيطا شفافا ومهما , يسري مثل ماء , في نهر هذه الحالات السردية الرفيعة فعلا , ويجعل منها جزرا متواصلة إذا شئت وجزر معزولة إذا شئت أيضا , فأنت بطل النص أيها القارئ ولك حرية التأويل والاستمتاع والفهم والتخيل أيضا.
( سأترك لكم تخيل ما يراه وعلى سبيل الاحتياط ,هي شقة عادية لشاب وحيد ماتت أمه منذ عامين في طرقة رطبة بين المطبخ والحمام ) .
هنا في قصص الصور اليومية الحميمة يبدع سيد الوكيل حوارات واضاءات إنسانية غاية في الدفء والحميمية , ضوء شاحب في النافذة , قصة تنقلنا بحرفية فنية إلى عالم واقعي يوازي عالم الفن في جماله .
(في وقت ما حين عرف أنها تغار كان يختلق قصصا يحكي لها عن زميلات العمل أو فتيات خطرن في حياته يثير تعليقات مكشوفة عن امرأة كان يقول مثلا زى الفرس , وتكون تلك لياليها المسهدة وقلقها الذي لايكف , وتشف عيناها بخوف دفين ويحب أن يقترب منها يلمسها فلا تقاوم طويلا ويداري ابتسامة حين تبكي بين ذراعيه ) .
إنها نصوص سيد الوكيل السردية الخاصة بعالمها الخاص الذي لايشبه عالما آخر , نصوص توق الأرواح والأجساد ,الأرواح التي دائما تتوق لأجساد أخرى ,الأرواح التي عانقت الجسد طويلا, وأثمرت حالات ونصوص سردية , كنا نظنها قصصا , لكننا بعد قليل اكتشفنا أنها حقيقة تتلبسنا مثل روح .
* الرياض 2009م
fahdateq@windowslive.com

الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

حوار المدى

حاورته : سولاف هلال- القاهرة يحتفي الروائي «سيد الوكيل» بالإنسان عبر المكان في مجموعة علاقاته في آخر إصداراته الروائية التي شكلت علامة أخرى من علامات تميزه السردي. ورواية «شارع بسادة» رواية شائكة في بنائها الفني ولم تقم سرديتها على حبكة مألوفة كالتي تتصل مع الواقع مباشرة دون فلسفته ومساءلته ، إنما تقصدت الواقع وانتمت إليه لكنها افترقت عنه بمعطيات فنية كثيرة ؛ ولهذا لاقت هذه الرواية ما تستحقه من ثناء نقدي وإطراء نخبوي واضح المعالم . سيد الوكيل في هذا اللقاء يتماهى مع «شارع بسادة» ويتوغل في بعض جزئيات روايته واشتغالاته المعرفية عليها .  روايتك « شارع بسادة» تحيلنا إلى اسم مكان، ما هي علاقتك بالمكان على مستوى الرواية ؟ - المكان ليس معنى جغرافيا على الإطلاق ، هو مجموعة من العلاقات التي يكون الإنسان عنصرا رئيسا فيها ، وليس فى روايتي احتفاء بالمكان على نحو منعزل عن هذه العلاقات التي تنتج عبر الممارسات اليومية والطموحات الصغيرة لشخصيات تبدو مهمشة مثلما المكان ذاته ، وعندما تستطيع كائنات المكان أن تعبر عن نفسها فهي تمنح للمكان خصوصيته ، ومن ثم يبدو المكان بطلا على نحو مايشير له عنوان الرواية ، ولكن الحقيقة ، إن هذه البطولة ليست منحة إلهية لقطعة من أرضه ، بل هي منحة الإنسان ذاته ، لهذا لا أحب أن تقرأ روايتي على أنها رواية مكان ، فهذا طموح فقير وبسيط . أظنها معنية أكثر بالإنسان وأسئلته الوجودية التي لاتنتهى ، ومن بين هذه الأسئلة مساءلة المكان ذاته. صحيح أن للمكان في الرواية وجوداً حقيقياً في حياتي ، وقد عشت فيه فترة من عمري ، ولكنى لا أكتبه لكي احتفى به أو أخلده ، بل لأسئله وأبحث فيه عن ذاتي، باختصار، المكان هنا ليس موضوعا بل هو ذات مؤرقة محتشدة بالأسئلة والهزائم الصغيرة .  هذه الرواية تحتاج إلى تلق خاص وقارئ غير عادي ، ما الذي أرادت « شارع بسادة « إيصاله في تركيبتها الفنية والنفسية ؟ - هذا سؤال صعب ، لأنني في الحقيقة لم تكن عندي رسالة واضحة للقارئ ، لقد كتبت هذه الرواية على مدى سنوات طويلة رغم صغر حجمها ، طوال هذه السنوات أعدت كتابتها عشرات المرات ، أنا شخصيا كنت مرتبكا ومجذوبا لكتابة هذه التجربة بشكل قدري فيه كثير من الهوس ، واظن أن السبب في ذلك أن عالمها لصيق بذاتي إلى درجة لا تمكنني من رؤيته واضحا ومستقلا ،ومن ثم يبدو الراوي هنا تمثيلا لي كمؤلف، فقد عشت في مرحلة من حياتي بهذا المكان محاطا بظروف بالغة القسوة ، كنت صبيا وحيدا مسكونا بحزن الملائكة وجنون الشياطين ، وفى مرحلة شائكة من حياتي وهى مرحلة تفتح الحواس وطرح الأسئلة البكر التي شكلت فيما بعد وعيي وحددت طريقتي في فهم الحياة والكتابة نفسها، والراوي صبى يعاني وهو موزع بين معايير ثقافية عن المقدس والمدنس فرضها المكان .  هناك أكثر من بعد في النص ولا يتكشف هذا الأمر من القراءة الأولى ، لماذا تعمدت هذا الإرباك للقارئ ؟ - لم يكن لدي شيء واضح ، لهذا كانت الكتابة ـ نفسها ـ هي طريقتي في الفهم والمعرفة ، أو بمعنى آخر ، الكتابة هي صيغة للبحث ، وهذه طريقة للكتابة مختلفة عن طريقة الكاتب الذي يمتلك معارف يقينية يسعى إلى إبلاغ الناس بها ، ومن ثم تحتاج لقارئ مختلف ونوعي ، يقظ الحواس وليس مجرد متلق سلبي لما أقول ، فربما الارتباك الذي يشعر به القارئ مساو لارتباكي شخصيا تجاه الأسئلة التي تقلقني، لكن القارئ لن يشعر بالتعالي عليه أو بقصدية إرباكه ، لهذا اعتقد أنه سيحب العمل ويبذل بعض الجهد ويتحملني ، والقارئ مستعد أن يعانى قليلا إذا وجد في النص وعدا بمزيد من المتعة مع كل قراءة ، لأننا حين نمارس فعلا ممتعا نرغب في المزيد منه وسنقبل بعض المعاناة أو الألم في سبيل ذلك . إن اللذة التي يمنحها لنا النص أشبه بممارسة الجنس على حد تعبير رولان بارت ، لهذا نمارس مزيدا من لذة القراءة بحثا عن لحظة إشباع .  لماذا اقتصرت رؤيتك للمقدس والمدنس في الرواية على فكرة الجنس التي تحضر بكثافة خلال العمل ؟ - لا اعتقد بأن هناك مسافة كبيرة بين المقدس والمدنس ، هذه المسافة هي نتاج ثقافي لكنها ليست موجودة في الحقيقة ، فعبر التاريخ اخترع البشر العديد من الثنائيات وانحازوا لبعضها ضد الآخر ، قدسوا الروح واحتقروا الجسد ، أحبوا الملائكة وكرهوا الشياطين، عظموا الرجل وهمشوا المرأة ، وفيما بعد صارت هذه الثنائيات وكأنها في صراع مع بعضها،مع أنهما في الأصل كانا شيئا واحدا ، فإبليس هو نفسه طاووس الملائكة، والشجرة المحرمة منحت آدم وحواء حقا مقدسا فكان لهما نسل عظيم يعمر الأرض ويعبد الله ويكون خليفته فيها، هكذا يولد المدنس من قلب المقدس والعكس صحيح . وهذه الآلية ، هي في الحقيقة إرادة إلهية ، لقد كان لدى الله ملائكة وشياطين ، ولكنه خلق الإنسان ليجمع بين النقيضين في خلق واحد وفضله على جميع ما خلق . والجنس هو التمثيل الأبرز لتماهي المقدس والمدنس، فهو الوسيلة التي اختارها الله لعملية الخلق لتكون دالا قويا على وجوده وقدراته ، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى ارتقى بالجنس من الأداء الوظيفي لمجرد التناسل وحفظ النوع ، إلى الأداء الجمالي ليصبح الجنس فعلا خالصا لذاته، وفى هذا الارتقاء نوع من التقديس، وهو معنى صوفي يتجلى في لحظة التوحد الحقيقية بين الثنائيات المتضادة ، الروح والجسد أو الرجل والمرأة أو المقدس والمدنس.  تعرضت في الرواية لمسألة الشذوذ الجنسي ، ما هي رؤيتك لهذا الأمر كحالة استثنائية في الحياة ؟ - علميا لا يوجد جنس يخلو من انحراف سوى الجنس الوظيفي بغرض التناسل بين الحيوانات مثلا ، وغير ذلك هو نوع من الانحراف عن أصول الغريزة ، وهذا الانحراف يختلف في درجاته ، والشذوذ الجنسي هو أقصى درجات الانحراف ، صحيح هو يمثل أعلى درجات الجنس المجرد لذاته وأبعدها عن الوظيفة ، ولكنه يفتقد لفكرة توحد الثنائيات المتضادة التي اعتبرها لحظة التوحد بين المقدس والمدنس ، لهذا يعتبر شذوذا . والرواية تناولته بين صور الجنس المختلفة لأنه حالة موجودة في الحياة كما قلت في سؤالك ، ولكن الرواية لا تحتفي به بقدر ما تنشغل بعذابات أصحابه كحالات إنسانية لاتستطيع أن تتصالح مع الآخر ولا حتى مع نفسها، أنها أكثر درجات الاغتراب الإنساني شراسة . هكذا كان سمير وهدان أحد شخصيات الرواية ، كانت أمه تقدم الذبائح للولي ، تبكى وترجوه أن يهبها ولدا بعد أن أنجبت سبع بنات ، وعندما رق الولي لحالها بدل جسد البنت التي في بطنها إلى ولد ونسى أن يبدل روحها ، فخرج سمير إلى الحياة بجسد رجل وروح امرأة .  هل هناك تساؤلات ما ورائية مطروحة في الرواية ، هل عثرت على إجابة ما لتساؤلاتك بعد كتابة هذا العمل ؟ - كل إنسان في الوجود هو حالة خاصة ، ومن ثم فهو يطرح أسئلته الخاصة على الوجود ، وبهذه الطريقة فالأسئلة لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة ، والأدب سيظل يطرح الأسئلة لأنه طريقتنا في الإدراك الحسي للعالم ، صحيح أن الرواية تحاول البحث عن إجابة لأسئلتي الذاتية ، لكنها لاتزعم أنها وجدت إجابات ، ببساطة ، لو كانت لدى إجابات لما كتبت . وهذا الإحساس بالنقصان والجوع النفسي والفكري والحسي ،هو ما يمنحني دافعية للكتابة .  أنت روائي ومهتم بالنقد ولديك عدة إصدارات في المجالين ، هل ترى أنك حققت جزءا من مشروعك الإبداعي والنقدي ؟ - عموما أنا كاتب مقل في إنتاجي ، فلي روايتان وثلاث مجموعات قصصية وكتابان في النقد ، وهذا قليل بالنسبة لرجل فى منتصف الخمسين ، لهذا لا أشعر أنني كتبت الكثير مما أرغب في كتابته ، هذا على مستوى الكم ، أما على مستوى الكيف فلا أرغب أبدا في الشعور بالرضا ، ودائما أصبو إلى تجاوز ما كتبت وأضع نصب عيني مقولة طه حسين : إن الكاتب إذا اطمأن فسد .  أنت مهتم بالفن التشكيلي كيف تصف علاقة الكتابة بالرسم ؟ - بدأت فنانا تشكيليا ، لكنني وجدت في الرسم بالكلمات عوضا عن الرسم بالفرشاة ، إنه يوفر لي قدرا أكبر من إمكانات التعبير عن ذاتي ، ولقد نقلت خبرتي البصرية إلى اللغة ، وأزعم أنني مميز في هذا بين كتاب جيلي ، ومن حسن الحظ أننا نعيش عصر الصورة ، فبدا أن كتاباتي متوافقة مع هذا العصر، ولقد لاحظ الدكتور شاكر عبد الحميد هذا وخصص فصلا كاملا عن حضور الصورة في قصصي ضمن كتابه المهم ( عصر الصورة ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة .  بوصفك مهتماً بتقديم دراسات حول الأدب النسوي ، ما هي رؤيتك لكتابة المرأة العربية ؟ - حضور المرأة في المشهد الأدبي كبير ، وهو حضور ليس على مستوى الكم فقط ، بل على مستوى الكيف أيضا ، حتى يمكن القول أن الكتابة الجديدة ذات نزوع نسوى واضح سواء على مستوى شفافية اللغة والبعد عن تراكيب الفحولة البلاغية القديمة ، أم على مستوى توجه الخطاب إلى اليومي والهامشي ، وهو يتوافق بقوة مع توجهات الخطاب النسوي . ويبدو أن وسائط التكنولوجيا الحديثة منحت المرأة فرصة واسعة للمشاركة متجاوزة محذورات النشر القديمة ، أنهن الآن يتصدرن صفحات الإنترنت وشاشات التلفاز ، وهذا الوضع جعل المشهد واسعا على امتداد الخريطة العربية ، فمشاركة المرأة في المشهد الأدبي لم تعد مقتصرة على الدول التقليدية مثل مصر وسوريا أو لبنان ، ولكننا نجدها في اليمن والخليج العربي والسعودية أيضا وإن ظلت على استحياء نتيجة للطبيعة المحافظة لهذه الدول .وهناك موضوعات تتميز فيها المرأة غير الموضوع الاجتماعي الذي صار نسويا بالدرجة الأولى ، لننظر إلى أدب الحرب مثلا ، لقد اكتسب ملامح مميزة عند النساء اللاتي اقتربن من هذه التجربة فاقترب من الإنساني وابتعد عن الخطابية كما نجد عند : إيمان حميدان يونس وهالة كوثرانى ولنا عبد الرحمن من لبنان وعالية طالب وبثينة الناصري من العراق ، ومن فلسطين نعمة خالد ، لكن المشهد متسع ومتعدد . سيد الوكيل في سطور

الاثنين، 1 يونيو، 2009

http://almadapaper.net/paper.php?source=ak...e&sid=68122 حوار جريدة المدى العراقية حول رواية شارع بسادة

الجمعة، 1 مايو، 2009

من شخصيات شارع بسادة

شيخ المعهد الأزهرى

ثم من هذا؟! آه.. شيخ المعهد الأزهري في البلدة، المنتدب ـ أصلاً ـ من المعهد الأحمدي بطنطا. الحقيقة هو لا يعود لقضاء العطلة الأسبوعية بين أهله سوي مرة واحدة كل أول شهر، وتصادف أنه أمضي أسبوعا كاملا بين أهله. ها هو ينهي أجازته؛ ليعود في القطار الأخير لأن عليه أن يكون في صباح السبت بين الشيوخ الأطفال؛ ليذوب بينهم. هو نفسه يشبه الأطفال تماماً. قصير جدًّا، ونحيف جدًا، وخفيض الصوت جداً جداً. وهو فوق ذلك خجول حتى لا يقوي على النظر في عيون تلاميذه. هذه صفات لا يمكن أن تجتمع في شيخ أزهري إلا هو؛ لهذا فإن أحداً لا يشعر بوجوده، لا بسفره ولا بعودته، حتى إن العربجية المتحفزين لزبائنهم يخطئون وجوده عادة. ربما يفاجأ به أحدهم وهو يهم بالانصراف بعد أن يئس من الفوز بزبون، وغالباً لن يهتم به، فالشيخ الصغير لا يركب الحناطير إلا نادرًا، وعادة يكون آخر الخارجين من النفق، يمشي بخطوات متعثرة ملاصقاً للبيوت والأرصفة. ينظر للأرض كأنما يبحث عن ظله، يصل إلي بيته المجاور للمعهد الأزهري بعد عشرين دقيقة من المشي بحساب خطواته الصغيرة، غير أنه في ليلة مثل هذه، سيفكر بالتأكيد في ركوب حنطور، إنها ليلة باردة، والطرق موحلة، وهو حريص علي ألا يوسخ ذيل "كاكولته" التي يبقي فيها لشهر كامل قبل أن يعود في أجازة أخري. دعونا لا ننشغل به، فهو ليس الرجل الذي ينتظره رجب علي أية حال. فهذا الشيخ الصغير سيختفي من الوجود تماماً بعد أيام قليلة من تلك الليلة. سيكون رجلنا الذي ينتظره رجب هو الأكثر غربة بين كائنات النفق هذا. سيكون غريبا حتى عن جسده واسمه. أما شيخنا الصغير، فسوف يختفي تماما. هو ـ في الحقيقة ـ كان مهيّئًا للاختفاء. سيحدث هذا بعدما اتهمته صاحبة البيت بالتحرش بابنتها القاصر. طبعا فضيحة. كان يحتاج لفضيحة حتى يشعر الناس به. فضيحة ستجعله حديث الناس لبضعة أيام وكأنهم فوجئوا بوجوده بينهم. سيختفي تماما، لكن الناس ستذكره كثيرا، كلما مرت في شوارعهم بنت بعيون شقية ونَهديْن لَعوبين، لا بد أتعبا الشيخ الصغير كثيرا حتى يمسك بهما.

من شخصيات شارع بسادة

مدرب فريق مصنع الغزل

مدرب فريق مصنع الغزل الذي كان لاعبا في نادي طنطا، وتصادف أن أحرز هدفاً في عادل هيكل؛ فدخل التاريخ من غير قصد، خرج فريقه خسرانَ بستة أهداف. أما هو؛ فاز بصورة في جريدة المساء اعتبرت سبقًا صحفيًا؛ لأن المصور سجل لحظة نادرة: عادل هيكل يطير في الهواء، والكرة تدخل المرمي، ومن وراء الشبكة ثمة نقاط بيضاء وسوداء كثيرة. كانت تلك جماهير ستاد طنطا تهلّل لحظة دخول الهدف الوحيد لهم، هكذا.. جمعت الصورة كل شيء إلا الذي شاط الكرة. هو لا يظهر في الصورة. فقط.. قدم مكمورة في حذاء رياضي، مجرد قدم لا أكثر، لكنه قص الصورة بعناية وشالها في محفظته، وكلما جاءت مناسبة يخرجها. هوـ في الحقيقة ـ لا يخرجها من محفظته، ولا يعرضها علي أحد إلا نادرا، إذ كان عليه في كل مرة أن يقول بحسرة: ـ أنا الذي شاط الكرة. والله أنا.. بص.. دي رجلي.

من شخصيات شارع بسادة

مدير بنك ناصر
مدير بنك ناصر سيراه الناس في شوارع البلدة كلما مروا هنا أو هناك. يتلفت يمينا ويسارا كأنما يبحث عن شيء ضاع منه. يضع نظارة سوداء علي عينيه ـ حتى في الليل ـ فلا أحد يدري لأي جهة يبصُّ، لكن سكرتيرته في البنك، تعرف جيداً أن نظراته تتجه دائما لأسفل. من أجل هذا تنزع الشعر عن ساقيها في الأسبوع مرتين.

من شخصيات شارع بسادة

موظف السجل المدنى
هذا موظف السجل المدني. ستتعرفون عليه بسهولة. بدين، أصلع، له بنطال واسع يتدلي حزامه تحت كرشه؛ فيترك براحا لخصيتين مصابتين بالدوالي، مبتسم بلا سبب، لا يكف عن الابتسام حتى لهؤلاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته، أو الأطفال الذين سيجهرون باسمه الحركي "أبو قليطة" في غفلة من الكبار الذين يحترمونه بالرغم من مخاوفهم أن تنخدع النساء بالذي بين فخذيه يتدلي. سيبتسم، وربما يُحيّيهم بإيماءة، ثم يمضي مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه، وحقيبة صغيرة يعلقها في كتفه دائما، بها أقلام "باسْطْ" مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة، تفيده في كتابة بطاقات الهوية. الناس ـ عادة ـ تضع في درج مكتبه شِلِنًا أو بريزة تقديرًا لخطه الجميل. وربما يعملون خاطرا لذلك الذي بين فخذيه.

الخميس، 30 أبريل، 2009

نساء يركضن وراء الذئاب

نساء يركضن وراء الذئاب

فى البدء كانت الكائنات تمرح ، وكانت الطبيعة هى كل ما هو موجود على الأرض ، حتى جاء الرجل الأول ، ولم يكن قادراً على التعايش مع الطبيعة ، فراح يقتلع الأشجار ، ويقتل الحيوانات ليبنى لنفسه أكواخاً ويصنع ملابس وشباكاً يصطاد بها مزيداً من كائنات الطبيعة ، وذات مرة وقع شيئ منها فى شبكته ، ظل يغنى طوال الليل بصوت جميل وقع كالسحر فى قلب الرجل ، وفى الصباح رآها فى صورة المرأة فأعجب بها ، وتأثر بنظراتها العطوف المتوسلة من وراء خيوط الشبكة ، ولكنه لم يفهم ، فبدلاً من أن يتركها للطبيعة ، احتفظ بها لنفسه ، وأجبرها لتبنى أكواخاً وتصنع الملابس والشباك له . كلاريسا بنكولا .. قاصة مجرية من أصل أسبانى مكسيكى ، تقول فى مقدمة كتابها نساء يركضن وراء الذئاب : " إننا جميعاً نفيض شوقاً وحنيناً إلى الحياة الوحشية ، بيد أن ترياق الحضارة لايترك لهذا الحنين منفذاً ، تعلمنا أن نشعر بالخجل من هذه الرغبة ، غير أن ظل المرأة الوحشية ، مازال ينسل خلفنا ، ويكمن فى أيامنا وليالينا " . تجمع كلاريسا مئات القصص والحكايات والأساطير عن المرأة ، وتقول إن هذا التراث السردى وسليتنا الوحيدة الباقية لنعرف من نحن ؟ نشأت كلاريسا فى منطقة غابات بالقرب من البحيرات العظمى ، حيث كانت تتغذى على البرق والرعد ، وحيث كانت حقول القمح تعزف طوال الليل بحفيف أوراقها ، وعلى المدى البعيد ، كانت ترى الذئاب تأتى إلى المناطق الجرداء فى ضوء القمر ، تتهادى متمايلة فى صلوات إيقاعية ، وكان بمقدورنا أن ننهل جميعاً من نفس الجدول دونما خوف . هكذا بدأ الأمر بملاحظاتها ومشاهداتها عن علاقة المرأة والذئاب بالطبيعة ، فراحت تجمع القصص والأساطير ، والمعلومات الموثقة فى علوم البيولوجى ، وقرأت عن العادات والسلوكيات النسوية ، ما اندثر منها وما تبقى ، ثم اختبرت كل هذا بعلم النفس ، وهو مجال تخصصها الأصلى ، ثم كتبته بروح شاعرة ، فتكون لدينا كتاب من ستمائة صفحة ، غاية فى الإبداع الجميل ، وغاية فى المتعة الذهنية والحسية . إن فكرة الكتاب تبدو فى النهاية بسيطة ، وربما ليست جديدة تماماً ، فكلاريسا تلخصها بأن الطبيعة هى النفق السرى الذى يوصلنا إلى المرأة ، الاتصال بروح المرأة الوحشية ، قبل أن تصبح سجينة التقاليد والقوانين وأنساق الحضارة والمدنية ، لهذا اتخذ كتابها صبغة بحثية ، تتنقل بين عدة معارف وعلوم ، وتكتبها بأساليب تحلق بين السرد والشعر والتحليل النفسى والأنثربولوجى ، ويحتشد بأصداء الأساطير والأدب والدين والسياسة والعلوم الإنسانية المختلفة ، أنه ثراء مدهش وأنت تجد نفسك تركض فى الأحراش وراء امرأة تبحث عن عظام جدتها الأولى ، بلا خرائط أو بوصلات ، فقط تتبع خطوات غريزتها القوية ، تلك الغريزة التى تقود الذئاب إلى جداول الماء . كلاريسا أمضت قرابة ربع القرن من العمل الدقيق المثابر فى جمع وتأليف هذا الكتاب ، وانتهت منه 1994 ، . كلاريسا لم تكن مجرد كاتبة قصة آمنت بأنوثتها ، ولكنها أيضاً باحثة جادة ، أنجزت عملاً نسوياً خالصاً مادة ولغة وأسلوباً ومنهجاً ، وهذا هو الفارق بين ماكتبته كلاريسا ، وما تكتبه عشرات الكاتبات النسويات عندنا ، موتيفات وشعارات وطنطنة نضالية فى إطار صنعه رجل وسماه قضية المرأة ، واستكتب له كاتبات لانجنى من ورائهن شيئاً سوى وجوههن اللامعة على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد ، الفارق بسيط ، أن كلاريسا تبحث عن نفسها ، والآخريات يبحثن عن دور ، هذا هو الفارق المهول بين العمل الجاد ، والعمل الزائف ، ولهذا توجه كلاريسا دعوة لأمثالهن فتقول : " دعينا ننطلق الآن ، ونتذكر أنفسنا فى الماضى ، فى روح المرأة الوحشية ، دعينا نغنى كى ينمو لحمها على عظامنا مرة أخرى ، انزعى عنك أى رداء زائف ألبسونا أياه ، وتدثرى بالرداء الحقيقى للحدس الغريزى والمعرفة ، نقى عوالم الروح التى كانت يوما ملكاً لنا " .

الأربعاء، 29 أبريل، 2009

البحث عن الجنس الأدبى والهوية

نوفيلا سيد الوكيل والبحث عن الجنس الأدبى و الهوية وفقا لعلم الإتيمولوجيا – علم أصول الكلمات أو فقه اللغة – فإن كلمة Novella الإنجليزية مشتقة من المصدر الإيطالى Novella أيضا, تجمع على Novellas فى الأولى وعلى Novelle فى الثانية, وتعنى حكاية أو بعض الخبر, وفى المجمل هى أخبار المدينة وحكايات البلاد. وكلاهما يعود لأصل لاتينى اشتقت منه عدة اصطلاحات تعنى فى مختلف اللغات الأوروبية القصة او الحكاية وتختلف فى مدلولها على الطول والقصر, لكنها لا تعنى مطلقا الرواية الطويلة. وهى جنس أدبى معروف أطول من الأقصوصة وأقصر من الرواية, اختلف الكثيرون على تحديد حجم معين لها, مابين عدد كلمات وصفحات. أعلى غلاف شارع بسادة للأستاذ سيد الوكيل مكتوب فى حروف عربية "نوفيللا" توصيف للنوع, نقلا عن الأصل اللغوى المنطوق فى الإنجليزية والإيطالية, ولا أعرف ماالفرق بين اللام المشددة واللام الزائدة فى الكلمة المعربة, ومن يعرف الكاتب يعى تماما أن أمرا هكذا إنما هو مقصود ومرصود, لا يعنى ناشرا أو جهة إصدار. فصاحب أفضية الذات ليس بعيدا عما يطرأ على الأدب فى الداخل والخارج, لامن حيث البنية السردية, ولا الجنس الأدبى, ولذلك نتسائل, لما التعريب ولما التجنيس؟ النوفيلا هى الرواية القصيرة, هذا ما اتفق عليه بين أهل حارة الأدب وشيوخها, اطمئن إلى ذلك الصبيان والمعلمين, غير أننا فيما أعرف لم نرى نصا يصدر بهذا التصنيف النوعى غير شارع بسادة المصدرة بنوفيللا, رغم أن النوع نفسه غير قليل فى أدبنا العربى, فكتابات يحيى حقى فى أغلبها روايات قصيرة مبدعة وملهمة, لفظ جزيل ومعنى غزير, لايفقدك العمق, ولايطيل لك المدى, ما خالتى صفية والدير إلا رواية قصيرة, ما لحس العتب إلا رواية قصيرة, ماالطوق والإسورة إلا رواية قصيرة. كتبها إرنست همنجواى فى العجوز والبحر, وفرانز كافكا فى الميتامورفوسيس أو التحولات, كتبها جورج أورويل فى مزرعة الحيوانات, والأمثلة لا تحصر بقدر ما تدلل. فى القرآن الكريم يقول الله تعالى فى مطلع سورة يوسف "نحن نقص عليك أحسن القصص", وفى الطرفة التى تروى عن بعض الفقهاء الطفيليين, أن أحدهم أراد أن يلهى الآخر عن الطعام ليستأثر به, فطلب منه فى خبث أن يقص عليهم قصة يوسف, لعلمه بطولها, فأجابه صاحبه بدهاء ملبيا طلبه, تاه ولقيناه, ملخصا القصة كلها فى كلمتين وحرف عطف. هذين المثلين هما دليلى لما أريد أن أقول, يمثلان المذهب الذى أدعى, أن الحاجة الفنية هى فقط وليس أى شىء آخر المنوطة بالطول والقصر, بالتكثيف والفرد, بالإجمال والتفصيل, الحاجة الفنية هى الفيصل فى الكيفية السردية, والبنية النصية. القصة قصة والحكاية حكاية, لا طويلة ولا قصيرة, الصفة تابعة لامحددة وليست سابقة, التركيب الفنى واللغوى هما فقط المحددان الرئيسيان للجنس, لا الطول ولا القصر, لاعدد الكلمات ولا عدد الصفحات, هى قصة, هى حكاية, حتى مصطلح نوفيلا المعرب يعنى فى أصله اللغوى حكاية المدينة أو القرية أو البلدة, لذلك كان أولى بالكاتب أن يرصع غلافه بكلمة حكاية, جوهرة السرد العربى, حكاية شارع بسادة, ألا ترى معى أنها أجزل للمعنى, أقرب للنفس والعقل والخيال, أقرب للمكان والزمان, بل إن التصدير لو كان بقصة شارع بسادة, سواء كانت الكلمة قصة أو حكاية مكتوبة أعلى الغلاف او أسفله, متبوعة بالعنوان أو مدمجة فيه, لكانت خير دليل على النص, محركة النفس للدخول فيه والتعرف على عالمه, وإذا كان السبق للأستاذ سيد الوكيل فى تصدير شارع بسادة بنوفيللا, لكان السبق أعظم لو صدر برواية قصيرة, ولكان أفضل من اللجوء للفظ معرب يوجد لدينا ماهو بديل عنه ودليل. لست فى معرض دفاع عن العربية, أو اتهام لأستاذى سيد الوكيل, إنما أجلس على مائدته أناقشه وأتعلم. فالكلام عن الجنس الأدبى يطول, والاستفاضة فى شرح المصدر اللغوى للكلمة Novella يحتاج لتمحيص وتفحيص لما بينه وبين لفظ Novel من اختلافات لغوية واصطلاحية وأدبية, فضلا عن البحث فى تاريخ الرواية القصيرة ذاتها, ومايقابل هذه الألفاظ فى العربية ومحددات الجنس النصى فى اللغة ومدلولاتها, كالقصة و الحكاية والأخبار والوقائع والمقامات, ومصطلحى القصة القصيرة, والرواية والرواية القصيرة, وهل يمكن ان نطلق على بعض النصوص قصة قصيرة طويلة, مما يضعنا فى مأزق بلاغى واصطلاحى, لذلك أرى أن قصة أو حكاية, هما خير معبر عن النص طال أم قصر, سواء جاءا بصيغة المفرد, أم بصيغة الجمع, كقصص أو حكايات. يخيل إليك بعدما تقرأ شارع بسادة أنك خدعت, وأرجوا ألا يسبب معرض كلامى هذا لبعض القراء صدمة, هذا ما حدث لى, فأنا لن أكذب ولن أتجمل, قرأتها فى المرة الأولى على عجل لسببين, عادة فى القراءة, ورغبة محمومة فى قراءة سيد الوكيل مبدعا, ولأن شارع بسادة, ليس من حجر صوان, كبيرة الحجم هائلة, صلبة لا تنكسر, تشعر بها شئت ام أبيت , إنما أرواح وأجساد هائمة على وجهها فى هذا الشارع بحثا عن هويتها, وهذا هو الفخ. لا أقصد بالخدعة هنا, تقييم النص من حيث الإجادة, إنما عينى على أطباق سيد الوكيل, هل هى سهلة ويسيره, ما أن تمد يدك لتتناول, تطيعك سائغة راضية, هيهات المنال. أنت أمام ثلاث تكوينات تبحث عن هويتها, الروح ممثلة فى الملاك حينا, الشيطان بعض الحين, فى الجسد ممثلا فى الحاج وهدان سواء كان سميرة او سمير وفى مارسا ونادية وزينب سليمان, فى النفس البشرية, السر الإلهى الذى جمع بين الروح والجسد فاستوى خليطا عجيبا مستقلا بذاته, وهى فى كل أبطال العمل جميعا, بل تكاد تلمس البحث عن الهوية فى الشارع ذاته, الذى يتارجح المعلم الرئيسى فيه وهو البيت الطينى – وإن كان نفق القطار اكثر ظهورا – بين الانهيار والصمود, وما بين هاتين الحالتين يتيه أبطال شارع بسادة فى إغواء النور والطراوة, مابين على وأمه, الشخصية الوحيدة فى الرواية الناجية من جحيم الضياع. تلك المرأة التى أفسحت فى دارها للرزق والمبيت والعشق, تسالمت مع روحها وجسدها وتجاوزت معاناة الأرمل الباحثة عن الدفء, لم تقع فى براثن التيه والخمود, ولعل خبرها فى أول الحديث يعطى انطباعا عما جاش به صدر المرأة, فقد عرفنا أنها جاءت إلى شارع بسادة مهاجرة, ربما بحث عن هويتها وذاتها, وربما كان هروبها الثانى ذات صباح استيقظ فيه الصبى فلم يجدها, وربما أيضا كان رجوعها لولدها بعد سنين, عندما لم يعد ولدا كما كان, ولم تعد هى أم كما كانت, النهاية الحتمية لهوية لا ترى غيرها فى الوجود, شخصية تخلصت من القلق الوجودى لدى كافة الأبطال, وربما نستثنى أيضا سيدة ألاجا, فقد حسمت أمورا كثيرة منذ زمن بعيد, إلا ان التبدل المرحلى هذا فى حياة المرأة, ليس بتبدل فى الهوية أو تقلب, إنما كان عجزا يتواكب مع هجراتها المختلفة عن تضافر الهوية مع المجتمع والواقع المحيط, وهى فى هذا تتشارك مع باقى الأبطال فى هذا الجانب, إذ هم من ناحية غير قادرين على العثور على هوية لا لأجساد بعضهم ولا لأرواحهم, وبالتالى هم عاجزون عن الاستمرار فى الحياة على شاكلتهم, مما يجدف بهم فى تيارات شتى, مابين الجريمة, والرهبنة, والجنون. بقى أن نقول, هل لايزال يبحث سيد الوكيل هو الاخر عن هويته, وهى أزمة تلازم جيلى الستينات والسبعينات, وإن لم تخل منها الأجيال اللاحقة, هوية تجمع بين الدين والوطن والذات, هوية تسرح فيها النفس غير هيابة لقيود, أو عازفة عن مضمار من الحياة, هوية هى الروح فى عليين, والجسد فى أعماق الطين والماء, هوية هى النفس. تحياتى مدونتى يوميات أديب مصرى http://www.egyptwriter.blogspot.com/ جروب يوميات أديب مصرى على الفيس بوك

مغامرة الكتابة فى شارع بسادة

أخبار الأدب الأحد 22 من مارس سنة 2009م - 25 من ربيع الأول سنة 1430هـ - العدد 819 شـــارع بســادة: الكـــتابة بوصفها مغامـرة كتب : أحمد عبد الحميد النجَّار
يدخل سيد الوكيل مغامرات إبداعية جديدة في عمله الأخير "شارع بسادة" بدءا بالمغامرة النوعية، فقد كان حريصا علي تسميته "نوفيللا" بما قد يثيره المصطلح المتواري الآن من أسئلة إشكالية حول هوية النوع الأدبي، وليس انتهاءً بالمغامرة النصية _ التي هي في الحقيقة _ حلقة في سلسلة مواصَلَةِ سيد الوكيل لإثمه الجميل: التناص مع الذات؛ إذ تحيلنا النوفيللا علي متتالية قصصية تحت عنوان "حواس تستيقظ" (ويقظة الحواس هي محرك السرد الأساسي في النوفيللا) في مجموعته "مثل واحد آخر"، تلك التي ضمَّنَها تسعة نصوص سردية قصيرة تتردد أصداؤها في النوفيلا علي نحو أكثر جرأة وترابطا، ولا يكتفي الوكيل بإدماج محتواها السردي في عمله الأخير، لكنه في كثير من الأحيان ينقل جملا وفقرات كاملة كما هي، ودون تغيير تقريبا. وعليه يثار التساؤل حتما: إلي أي حد استطاع الوكيل بنينة نصه الجديد بما يمنحه التفرد وخصوصية الدلالة؟ يقدِّمُ الوكيل عنوان النوفيللا الداخلي "شارع بسادة" متبعا إياه مرتين في صفحتين متتاليتين بعبارة "حيث رأي الناس مهرة بيضاء تعدو، ومسهم سحر عينيها الجميلتين، فسكنتهم فتنة وضلال"، ثم تقدَّم النوفيللا بنص من العهد القديم: "ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلي مدينة"، تلك التي تحيل علي المقدس وتبدأ بنا رحلة عبر النوفيللا قوامها الاشتباك معه بعنف _ أولا _ والتساؤل حول ماهية الغفلة التي يقع شخوص العالم أسري لها - ثانيا. وتتكون النوفيللا من خمسة عشر نصا متوسط الطول، لكل منها عنوان مركب؛ من كلمة واحدة أو ما هو بمثابة الكلمة الواحدة (عنوان رئيسي: الشيطان _ الأعمي - المرأة ...)، تتبعها جملة شارحة تحتل موقعا طباعيا ثانويا (عنوان فرعي: الذي كان كامنا لعلي ومارسا تحت السرير _ الذي أدرك صهيل البنت، فاحتواها من أجل قذفة أخيرة _ التي عرت فخذيها للشمس، وتركت الكتاكيت تتقافز، وتنقر شيئا بينهما ...). بالملامح السابقة تتجلي - أولا - أمارات البنينة الهيكلية في النوفيللا. وعلي مستوي الحبكة فإن (عليّ) هو الشخصية التي تقع في مركز العلاقات بين شخوص النوفيللا لتربط حبكتها، رسول الفتنة المقدَّسة والإغواء الطهور (ولاحظوا دلالة الاسم)، يُقتل ويصبح قتله حدث النوفيللا الرئيسي الذي يروي أكثر من مرة ليحقق تمفصلَ السرد فيما يشبه الأوتاد الإيقاعية، ويغلَّف مقتله بطابع استشهادي يجدد حضوره بموسمية الحدث الغرائبي: "لكن شيئا نما فيك ممزوجا برطوبة الطين وسعف النخيل وصهد الفرن. إنه بيت مبارك بالعناق والشهوة. تسكنه أرواح الغرباء فلا تكف عن الرفرفة بين جدرانه. من أجل هذا كنت أعرف أنه لن يسقط. فقط..بالمطر كان يغتسل ويبدأ من جديد". إن مساءلة التصور الديني التقليدي حول الجمال والفتنة والإثم هي رسالة النوفيللا الدلالية الأساسية، وهي الملمح الموضوعي المهيمن والمنظِّم للنص، ومن ثم يؤطَّر للنصِّ باستعارة كبري: الملائكة والشياطين، كما لو كانت ذواتٍ حيةً فاعلةً، وإن ظلت واقفة بنا _ الاستعارة _ علي الحافة بين الشعر والنثر، بين القراءة المجازية وشخصنة الكائن فوق الطبيعي، ويختتم النص بذروة الاشتباك والمساءلة عبر إعادة إنتاج سردية "الشيطان طاووس الملائكة"؛ فالملاك العاجز، المكتفي فحسب بالمراقبة والرصد الرخو، بعكس الشياطين الفاعلة القادرة، يصل إلي حافة الإقدام علي التحول إلي شيطان: "أما الآن وقد أصبحت شابا يافعا، فامنح لي جسدي حتي أسكن أحلامها فلا أتركها حتي ترتوي، لأخلصها من خطيئتها الأولي، أو أني، وعزتك وجلالك، لأغوينهم أجمعين"... هكذا تقدم "الشيطنة" لا بوصفها اختيارا نابعا من فساد النفس، ولكن بوصفها ضرورة اقتضتها طبيعة العالم المفعم بالرغبة والسعي خلف الجمال. النص علي هذا النحو لا يضعنا بإزاء التقابل المألوف: ملائكة_شياطين، بقدر ما يشجعنا علي تفكيك هذا التقابل. ثم يتجلي المزيد من هذا الاشتباك في مواضع عدة يتضايف فيها المقدَّس والأرضي (ولن أقول المدنَّس تماشيا مع رسالة النص)؛ سواء علي مستوي الوحدات السردية: "نادية" الفائرة الفاتنة يحتويها (الشيخ) الأعمي من أجل قذفة أخيرة، ولا تجد روح (عليّ)، رسول الفتنة الأعظم في النوفيللا مكانا أفضل من (الدير) لتباغت فيه مارسا وتوقظ شهوتها النائمة أو المتناومة، ويتحول (سمير / سميرة وهدان) إلي مِثْلِيّ تغترب روحه عن جسده لأن (الولي) مدَّ يديه إلي رحم أمه فبدل جسده ليكون ذكرا وإن ظلت روحه روح أنثي. وكذلك علي مستوي اللغة كملفوظ دالٍّ، كما في تركيب مثل "سعفة الوهج" (يقصد وهج النشوة) الذي يتكرر أكثر من مرة، ولنتذكر ارتباط السعف والنخيل بعامة بالطقوس والمفاهيم الدينية في الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. إن النوفيللا تخوض مغامرة أخري، فلسفية هذه المرة، حين تفتحنا علي أفق التساؤل القديم المتجدد حول الإرادة والخلق؛ فالولد البدين، الذي يسرد الراوي _ في بعض الأحيان _ من منظوره، خالق بمعني من المعاني: يكتب، ويرسم، ويحفر وجوها علي الطين، ويعطي لعالمه حياة ومصائر: "ظل يحفر الوجوه علي حوائط الطين، ثم يتحدث إليها. بعد أن يعجب بها الله يمنحها أرواحا ملونة، لكنه لا يمنحها مصائر أخري غير تلك التي حفرها في لوح مسطور"... علي من يا تري يعود الضمير في "حفرها"؟! وكلما اقتربنا من نهاية النوفيللا، اطردت التساؤلات الوجودية الملحاحة علي لسان ملاك "نادية" الحائر حول الإرادة الإلهية والحكمة الكامنة في حركة العالم علي النحو الذي يتحرك به. ورغم عنونة النوفيللا بدال مكاني محدد (شارع بسادة) تدور كل الأحداث في أجوائه، فإن الراوي يحفِّز القراءة الرمزية المتجاوزة لمحدودية الأماكن نحو الإنساني العام حين يقول عن بيت الفخراني الذي يعيش فيه الولد البدين، صاحب الرؤية في النوفيللا، إنه "يتربع علي ناصية الدنيا؛ فيضع ساقا في الدرب الجديد وأخري في شارع بسادة"، وهو ما يتسق مع الطابع الوجودي لتساؤلات النوفيللا. وكعادته ينقلنا الوكيل إلي عالمه الفاتن هذا عبر لغة سرد خاصة، تهتك رصانة اللغة وتعاليها دون أن تحطم تواصليتها: "يا الله..نادية جميلة وبريئة إلي هذا الحد حتي لا تفكِّر سوي في الشيطان وعمايله السوده"، "انظر عجائب الأقدار يا جدع. فأنا ما طلعت السطوح إلا لأشوف المهرة التي تسمع صهيلها جدتي في الفجر". غير أن الأجدر بالالتفات هو (التأشيرية) العالية في لغة السرد، ذلك الحضور المكثف للدوال التي تحيل علي الزمان والمكان (هنا والآن) حاضرين كأننا علي خشبة مسرح يسيطر عليها مخرج مسرحي مهيمن، كما بدا _ مثلا _ في استهلال النص الأقرب إلي "نص مرافق" في مسرحية: "نحن في مساء الجمعة، في الثامنة والنصف، وبالتحديد في تلك اللحظة التي يصدق فيها الشيخ عبد الباسط، سنسمع بضع دقات لساعة الجامعة، ثم يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار"، و "الآن تقول لحسونة: إن يوم السوق هذا يوم خير فعلا"... لا شك أن تلك خصيصة أسلوبية مائزة تضع لبنة في حائط التفرد الأسلوبي، لكنها من الناحية الوظيفية تسهم في مزيد من الاستحضار الحميم للقراء، واستلهام ميراث الحلقات الحكائية الشفاهية. هل أشتط في التأويل حين أذكركم بأن (المسرح) كان النوع الأدبي الأول الذي أثار علي نحو راديكالي سؤال القدر والمصير، جدل الإنسان والأرباب، أحد أسئلة النوفيللا؟! أو حين أقول إن الكاتب / المخرج المسرحي أراد أن يهيمن علي عالمه كما لو كان خالقا موازيا؟! بقلم ....

دار اخبار اليوم أطبع المقال http://www.shababonline.org/shabab/pdf/show.php?id=148