الخميس، 30 أبريل، 2009

نساء يركضن وراء الذئاب

نساء يركضن وراء الذئاب

فى البدء كانت الكائنات تمرح ، وكانت الطبيعة هى كل ما هو موجود على الأرض ، حتى جاء الرجل الأول ، ولم يكن قادراً على التعايش مع الطبيعة ، فراح يقتلع الأشجار ، ويقتل الحيوانات ليبنى لنفسه أكواخاً ويصنع ملابس وشباكاً يصطاد بها مزيداً من كائنات الطبيعة ، وذات مرة وقع شيئ منها فى شبكته ، ظل يغنى طوال الليل بصوت جميل وقع كالسحر فى قلب الرجل ، وفى الصباح رآها فى صورة المرأة فأعجب بها ، وتأثر بنظراتها العطوف المتوسلة من وراء خيوط الشبكة ، ولكنه لم يفهم ، فبدلاً من أن يتركها للطبيعة ، احتفظ بها لنفسه ، وأجبرها لتبنى أكواخاً وتصنع الملابس والشباك له . كلاريسا بنكولا .. قاصة مجرية من أصل أسبانى مكسيكى ، تقول فى مقدمة كتابها نساء يركضن وراء الذئاب : " إننا جميعاً نفيض شوقاً وحنيناً إلى الحياة الوحشية ، بيد أن ترياق الحضارة لايترك لهذا الحنين منفذاً ، تعلمنا أن نشعر بالخجل من هذه الرغبة ، غير أن ظل المرأة الوحشية ، مازال ينسل خلفنا ، ويكمن فى أيامنا وليالينا " . تجمع كلاريسا مئات القصص والحكايات والأساطير عن المرأة ، وتقول إن هذا التراث السردى وسليتنا الوحيدة الباقية لنعرف من نحن ؟ نشأت كلاريسا فى منطقة غابات بالقرب من البحيرات العظمى ، حيث كانت تتغذى على البرق والرعد ، وحيث كانت حقول القمح تعزف طوال الليل بحفيف أوراقها ، وعلى المدى البعيد ، كانت ترى الذئاب تأتى إلى المناطق الجرداء فى ضوء القمر ، تتهادى متمايلة فى صلوات إيقاعية ، وكان بمقدورنا أن ننهل جميعاً من نفس الجدول دونما خوف . هكذا بدأ الأمر بملاحظاتها ومشاهداتها عن علاقة المرأة والذئاب بالطبيعة ، فراحت تجمع القصص والأساطير ، والمعلومات الموثقة فى علوم البيولوجى ، وقرأت عن العادات والسلوكيات النسوية ، ما اندثر منها وما تبقى ، ثم اختبرت كل هذا بعلم النفس ، وهو مجال تخصصها الأصلى ، ثم كتبته بروح شاعرة ، فتكون لدينا كتاب من ستمائة صفحة ، غاية فى الإبداع الجميل ، وغاية فى المتعة الذهنية والحسية . إن فكرة الكتاب تبدو فى النهاية بسيطة ، وربما ليست جديدة تماماً ، فكلاريسا تلخصها بأن الطبيعة هى النفق السرى الذى يوصلنا إلى المرأة ، الاتصال بروح المرأة الوحشية ، قبل أن تصبح سجينة التقاليد والقوانين وأنساق الحضارة والمدنية ، لهذا اتخذ كتابها صبغة بحثية ، تتنقل بين عدة معارف وعلوم ، وتكتبها بأساليب تحلق بين السرد والشعر والتحليل النفسى والأنثربولوجى ، ويحتشد بأصداء الأساطير والأدب والدين والسياسة والعلوم الإنسانية المختلفة ، أنه ثراء مدهش وأنت تجد نفسك تركض فى الأحراش وراء امرأة تبحث عن عظام جدتها الأولى ، بلا خرائط أو بوصلات ، فقط تتبع خطوات غريزتها القوية ، تلك الغريزة التى تقود الذئاب إلى جداول الماء . كلاريسا أمضت قرابة ربع القرن من العمل الدقيق المثابر فى جمع وتأليف هذا الكتاب ، وانتهت منه 1994 ، . كلاريسا لم تكن مجرد كاتبة قصة آمنت بأنوثتها ، ولكنها أيضاً باحثة جادة ، أنجزت عملاً نسوياً خالصاً مادة ولغة وأسلوباً ومنهجاً ، وهذا هو الفارق بين ماكتبته كلاريسا ، وما تكتبه عشرات الكاتبات النسويات عندنا ، موتيفات وشعارات وطنطنة نضالية فى إطار صنعه رجل وسماه قضية المرأة ، واستكتب له كاتبات لانجنى من ورائهن شيئاً سوى وجوههن اللامعة على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد ، الفارق بسيط ، أن كلاريسا تبحث عن نفسها ، والآخريات يبحثن عن دور ، هذا هو الفارق المهول بين العمل الجاد ، والعمل الزائف ، ولهذا توجه كلاريسا دعوة لأمثالهن فتقول : " دعينا ننطلق الآن ، ونتذكر أنفسنا فى الماضى ، فى روح المرأة الوحشية ، دعينا نغنى كى ينمو لحمها على عظامنا مرة أخرى ، انزعى عنك أى رداء زائف ألبسونا أياه ، وتدثرى بالرداء الحقيقى للحدس الغريزى والمعرفة ، نقى عوالم الروح التى كانت يوما ملكاً لنا " .

الأربعاء، 29 أبريل، 2009

البحث عن الجنس الأدبى والهوية

نوفيلا سيد الوكيل والبحث عن الجنس الأدبى و الهوية وفقا لعلم الإتيمولوجيا – علم أصول الكلمات أو فقه اللغة – فإن كلمة Novella الإنجليزية مشتقة من المصدر الإيطالى Novella أيضا, تجمع على Novellas فى الأولى وعلى Novelle فى الثانية, وتعنى حكاية أو بعض الخبر, وفى المجمل هى أخبار المدينة وحكايات البلاد. وكلاهما يعود لأصل لاتينى اشتقت منه عدة اصطلاحات تعنى فى مختلف اللغات الأوروبية القصة او الحكاية وتختلف فى مدلولها على الطول والقصر, لكنها لا تعنى مطلقا الرواية الطويلة. وهى جنس أدبى معروف أطول من الأقصوصة وأقصر من الرواية, اختلف الكثيرون على تحديد حجم معين لها, مابين عدد كلمات وصفحات. أعلى غلاف شارع بسادة للأستاذ سيد الوكيل مكتوب فى حروف عربية "نوفيللا" توصيف للنوع, نقلا عن الأصل اللغوى المنطوق فى الإنجليزية والإيطالية, ولا أعرف ماالفرق بين اللام المشددة واللام الزائدة فى الكلمة المعربة, ومن يعرف الكاتب يعى تماما أن أمرا هكذا إنما هو مقصود ومرصود, لا يعنى ناشرا أو جهة إصدار. فصاحب أفضية الذات ليس بعيدا عما يطرأ على الأدب فى الداخل والخارج, لامن حيث البنية السردية, ولا الجنس الأدبى, ولذلك نتسائل, لما التعريب ولما التجنيس؟ النوفيلا هى الرواية القصيرة, هذا ما اتفق عليه بين أهل حارة الأدب وشيوخها, اطمئن إلى ذلك الصبيان والمعلمين, غير أننا فيما أعرف لم نرى نصا يصدر بهذا التصنيف النوعى غير شارع بسادة المصدرة بنوفيللا, رغم أن النوع نفسه غير قليل فى أدبنا العربى, فكتابات يحيى حقى فى أغلبها روايات قصيرة مبدعة وملهمة, لفظ جزيل ومعنى غزير, لايفقدك العمق, ولايطيل لك المدى, ما خالتى صفية والدير إلا رواية قصيرة, ما لحس العتب إلا رواية قصيرة, ماالطوق والإسورة إلا رواية قصيرة. كتبها إرنست همنجواى فى العجوز والبحر, وفرانز كافكا فى الميتامورفوسيس أو التحولات, كتبها جورج أورويل فى مزرعة الحيوانات, والأمثلة لا تحصر بقدر ما تدلل. فى القرآن الكريم يقول الله تعالى فى مطلع سورة يوسف "نحن نقص عليك أحسن القصص", وفى الطرفة التى تروى عن بعض الفقهاء الطفيليين, أن أحدهم أراد أن يلهى الآخر عن الطعام ليستأثر به, فطلب منه فى خبث أن يقص عليهم قصة يوسف, لعلمه بطولها, فأجابه صاحبه بدهاء ملبيا طلبه, تاه ولقيناه, ملخصا القصة كلها فى كلمتين وحرف عطف. هذين المثلين هما دليلى لما أريد أن أقول, يمثلان المذهب الذى أدعى, أن الحاجة الفنية هى فقط وليس أى شىء آخر المنوطة بالطول والقصر, بالتكثيف والفرد, بالإجمال والتفصيل, الحاجة الفنية هى الفيصل فى الكيفية السردية, والبنية النصية. القصة قصة والحكاية حكاية, لا طويلة ولا قصيرة, الصفة تابعة لامحددة وليست سابقة, التركيب الفنى واللغوى هما فقط المحددان الرئيسيان للجنس, لا الطول ولا القصر, لاعدد الكلمات ولا عدد الصفحات, هى قصة, هى حكاية, حتى مصطلح نوفيلا المعرب يعنى فى أصله اللغوى حكاية المدينة أو القرية أو البلدة, لذلك كان أولى بالكاتب أن يرصع غلافه بكلمة حكاية, جوهرة السرد العربى, حكاية شارع بسادة, ألا ترى معى أنها أجزل للمعنى, أقرب للنفس والعقل والخيال, أقرب للمكان والزمان, بل إن التصدير لو كان بقصة شارع بسادة, سواء كانت الكلمة قصة أو حكاية مكتوبة أعلى الغلاف او أسفله, متبوعة بالعنوان أو مدمجة فيه, لكانت خير دليل على النص, محركة النفس للدخول فيه والتعرف على عالمه, وإذا كان السبق للأستاذ سيد الوكيل فى تصدير شارع بسادة بنوفيللا, لكان السبق أعظم لو صدر برواية قصيرة, ولكان أفضل من اللجوء للفظ معرب يوجد لدينا ماهو بديل عنه ودليل. لست فى معرض دفاع عن العربية, أو اتهام لأستاذى سيد الوكيل, إنما أجلس على مائدته أناقشه وأتعلم. فالكلام عن الجنس الأدبى يطول, والاستفاضة فى شرح المصدر اللغوى للكلمة Novella يحتاج لتمحيص وتفحيص لما بينه وبين لفظ Novel من اختلافات لغوية واصطلاحية وأدبية, فضلا عن البحث فى تاريخ الرواية القصيرة ذاتها, ومايقابل هذه الألفاظ فى العربية ومحددات الجنس النصى فى اللغة ومدلولاتها, كالقصة و الحكاية والأخبار والوقائع والمقامات, ومصطلحى القصة القصيرة, والرواية والرواية القصيرة, وهل يمكن ان نطلق على بعض النصوص قصة قصيرة طويلة, مما يضعنا فى مأزق بلاغى واصطلاحى, لذلك أرى أن قصة أو حكاية, هما خير معبر عن النص طال أم قصر, سواء جاءا بصيغة المفرد, أم بصيغة الجمع, كقصص أو حكايات. يخيل إليك بعدما تقرأ شارع بسادة أنك خدعت, وأرجوا ألا يسبب معرض كلامى هذا لبعض القراء صدمة, هذا ما حدث لى, فأنا لن أكذب ولن أتجمل, قرأتها فى المرة الأولى على عجل لسببين, عادة فى القراءة, ورغبة محمومة فى قراءة سيد الوكيل مبدعا, ولأن شارع بسادة, ليس من حجر صوان, كبيرة الحجم هائلة, صلبة لا تنكسر, تشعر بها شئت ام أبيت , إنما أرواح وأجساد هائمة على وجهها فى هذا الشارع بحثا عن هويتها, وهذا هو الفخ. لا أقصد بالخدعة هنا, تقييم النص من حيث الإجادة, إنما عينى على أطباق سيد الوكيل, هل هى سهلة ويسيره, ما أن تمد يدك لتتناول, تطيعك سائغة راضية, هيهات المنال. أنت أمام ثلاث تكوينات تبحث عن هويتها, الروح ممثلة فى الملاك حينا, الشيطان بعض الحين, فى الجسد ممثلا فى الحاج وهدان سواء كان سميرة او سمير وفى مارسا ونادية وزينب سليمان, فى النفس البشرية, السر الإلهى الذى جمع بين الروح والجسد فاستوى خليطا عجيبا مستقلا بذاته, وهى فى كل أبطال العمل جميعا, بل تكاد تلمس البحث عن الهوية فى الشارع ذاته, الذى يتارجح المعلم الرئيسى فيه وهو البيت الطينى – وإن كان نفق القطار اكثر ظهورا – بين الانهيار والصمود, وما بين هاتين الحالتين يتيه أبطال شارع بسادة فى إغواء النور والطراوة, مابين على وأمه, الشخصية الوحيدة فى الرواية الناجية من جحيم الضياع. تلك المرأة التى أفسحت فى دارها للرزق والمبيت والعشق, تسالمت مع روحها وجسدها وتجاوزت معاناة الأرمل الباحثة عن الدفء, لم تقع فى براثن التيه والخمود, ولعل خبرها فى أول الحديث يعطى انطباعا عما جاش به صدر المرأة, فقد عرفنا أنها جاءت إلى شارع بسادة مهاجرة, ربما بحث عن هويتها وذاتها, وربما كان هروبها الثانى ذات صباح استيقظ فيه الصبى فلم يجدها, وربما أيضا كان رجوعها لولدها بعد سنين, عندما لم يعد ولدا كما كان, ولم تعد هى أم كما كانت, النهاية الحتمية لهوية لا ترى غيرها فى الوجود, شخصية تخلصت من القلق الوجودى لدى كافة الأبطال, وربما نستثنى أيضا سيدة ألاجا, فقد حسمت أمورا كثيرة منذ زمن بعيد, إلا ان التبدل المرحلى هذا فى حياة المرأة, ليس بتبدل فى الهوية أو تقلب, إنما كان عجزا يتواكب مع هجراتها المختلفة عن تضافر الهوية مع المجتمع والواقع المحيط, وهى فى هذا تتشارك مع باقى الأبطال فى هذا الجانب, إذ هم من ناحية غير قادرين على العثور على هوية لا لأجساد بعضهم ولا لأرواحهم, وبالتالى هم عاجزون عن الاستمرار فى الحياة على شاكلتهم, مما يجدف بهم فى تيارات شتى, مابين الجريمة, والرهبنة, والجنون. بقى أن نقول, هل لايزال يبحث سيد الوكيل هو الاخر عن هويته, وهى أزمة تلازم جيلى الستينات والسبعينات, وإن لم تخل منها الأجيال اللاحقة, هوية تجمع بين الدين والوطن والذات, هوية تسرح فيها النفس غير هيابة لقيود, أو عازفة عن مضمار من الحياة, هوية هى الروح فى عليين, والجسد فى أعماق الطين والماء, هوية هى النفس. تحياتى مدونتى يوميات أديب مصرى http://www.egyptwriter.blogspot.com/ جروب يوميات أديب مصرى على الفيس بوك

مغامرة الكتابة فى شارع بسادة

أخبار الأدب الأحد 22 من مارس سنة 2009م - 25 من ربيع الأول سنة 1430هـ - العدد 819 شـــارع بســادة: الكـــتابة بوصفها مغامـرة كتب : أحمد عبد الحميد النجَّار
يدخل سيد الوكيل مغامرات إبداعية جديدة في عمله الأخير "شارع بسادة" بدءا بالمغامرة النوعية، فقد كان حريصا علي تسميته "نوفيللا" بما قد يثيره المصطلح المتواري الآن من أسئلة إشكالية حول هوية النوع الأدبي، وليس انتهاءً بالمغامرة النصية _ التي هي في الحقيقة _ حلقة في سلسلة مواصَلَةِ سيد الوكيل لإثمه الجميل: التناص مع الذات؛ إذ تحيلنا النوفيللا علي متتالية قصصية تحت عنوان "حواس تستيقظ" (ويقظة الحواس هي محرك السرد الأساسي في النوفيللا) في مجموعته "مثل واحد آخر"، تلك التي ضمَّنَها تسعة نصوص سردية قصيرة تتردد أصداؤها في النوفيلا علي نحو أكثر جرأة وترابطا، ولا يكتفي الوكيل بإدماج محتواها السردي في عمله الأخير، لكنه في كثير من الأحيان ينقل جملا وفقرات كاملة كما هي، ودون تغيير تقريبا. وعليه يثار التساؤل حتما: إلي أي حد استطاع الوكيل بنينة نصه الجديد بما يمنحه التفرد وخصوصية الدلالة؟ يقدِّمُ الوكيل عنوان النوفيللا الداخلي "شارع بسادة" متبعا إياه مرتين في صفحتين متتاليتين بعبارة "حيث رأي الناس مهرة بيضاء تعدو، ومسهم سحر عينيها الجميلتين، فسكنتهم فتنة وضلال"، ثم تقدَّم النوفيللا بنص من العهد القديم: "ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلي مدينة"، تلك التي تحيل علي المقدس وتبدأ بنا رحلة عبر النوفيللا قوامها الاشتباك معه بعنف _ أولا _ والتساؤل حول ماهية الغفلة التي يقع شخوص العالم أسري لها - ثانيا. وتتكون النوفيللا من خمسة عشر نصا متوسط الطول، لكل منها عنوان مركب؛ من كلمة واحدة أو ما هو بمثابة الكلمة الواحدة (عنوان رئيسي: الشيطان _ الأعمي - المرأة ...)، تتبعها جملة شارحة تحتل موقعا طباعيا ثانويا (عنوان فرعي: الذي كان كامنا لعلي ومارسا تحت السرير _ الذي أدرك صهيل البنت، فاحتواها من أجل قذفة أخيرة _ التي عرت فخذيها للشمس، وتركت الكتاكيت تتقافز، وتنقر شيئا بينهما ...). بالملامح السابقة تتجلي - أولا - أمارات البنينة الهيكلية في النوفيللا. وعلي مستوي الحبكة فإن (عليّ) هو الشخصية التي تقع في مركز العلاقات بين شخوص النوفيللا لتربط حبكتها، رسول الفتنة المقدَّسة والإغواء الطهور (ولاحظوا دلالة الاسم)، يُقتل ويصبح قتله حدث النوفيللا الرئيسي الذي يروي أكثر من مرة ليحقق تمفصلَ السرد فيما يشبه الأوتاد الإيقاعية، ويغلَّف مقتله بطابع استشهادي يجدد حضوره بموسمية الحدث الغرائبي: "لكن شيئا نما فيك ممزوجا برطوبة الطين وسعف النخيل وصهد الفرن. إنه بيت مبارك بالعناق والشهوة. تسكنه أرواح الغرباء فلا تكف عن الرفرفة بين جدرانه. من أجل هذا كنت أعرف أنه لن يسقط. فقط..بالمطر كان يغتسل ويبدأ من جديد". إن مساءلة التصور الديني التقليدي حول الجمال والفتنة والإثم هي رسالة النوفيللا الدلالية الأساسية، وهي الملمح الموضوعي المهيمن والمنظِّم للنص، ومن ثم يؤطَّر للنصِّ باستعارة كبري: الملائكة والشياطين، كما لو كانت ذواتٍ حيةً فاعلةً، وإن ظلت واقفة بنا _ الاستعارة _ علي الحافة بين الشعر والنثر، بين القراءة المجازية وشخصنة الكائن فوق الطبيعي، ويختتم النص بذروة الاشتباك والمساءلة عبر إعادة إنتاج سردية "الشيطان طاووس الملائكة"؛ فالملاك العاجز، المكتفي فحسب بالمراقبة والرصد الرخو، بعكس الشياطين الفاعلة القادرة، يصل إلي حافة الإقدام علي التحول إلي شيطان: "أما الآن وقد أصبحت شابا يافعا، فامنح لي جسدي حتي أسكن أحلامها فلا أتركها حتي ترتوي، لأخلصها من خطيئتها الأولي، أو أني، وعزتك وجلالك، لأغوينهم أجمعين"... هكذا تقدم "الشيطنة" لا بوصفها اختيارا نابعا من فساد النفس، ولكن بوصفها ضرورة اقتضتها طبيعة العالم المفعم بالرغبة والسعي خلف الجمال. النص علي هذا النحو لا يضعنا بإزاء التقابل المألوف: ملائكة_شياطين، بقدر ما يشجعنا علي تفكيك هذا التقابل. ثم يتجلي المزيد من هذا الاشتباك في مواضع عدة يتضايف فيها المقدَّس والأرضي (ولن أقول المدنَّس تماشيا مع رسالة النص)؛ سواء علي مستوي الوحدات السردية: "نادية" الفائرة الفاتنة يحتويها (الشيخ) الأعمي من أجل قذفة أخيرة، ولا تجد روح (عليّ)، رسول الفتنة الأعظم في النوفيللا مكانا أفضل من (الدير) لتباغت فيه مارسا وتوقظ شهوتها النائمة أو المتناومة، ويتحول (سمير / سميرة وهدان) إلي مِثْلِيّ تغترب روحه عن جسده لأن (الولي) مدَّ يديه إلي رحم أمه فبدل جسده ليكون ذكرا وإن ظلت روحه روح أنثي. وكذلك علي مستوي اللغة كملفوظ دالٍّ، كما في تركيب مثل "سعفة الوهج" (يقصد وهج النشوة) الذي يتكرر أكثر من مرة، ولنتذكر ارتباط السعف والنخيل بعامة بالطقوس والمفاهيم الدينية في الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. إن النوفيللا تخوض مغامرة أخري، فلسفية هذه المرة، حين تفتحنا علي أفق التساؤل القديم المتجدد حول الإرادة والخلق؛ فالولد البدين، الذي يسرد الراوي _ في بعض الأحيان _ من منظوره، خالق بمعني من المعاني: يكتب، ويرسم، ويحفر وجوها علي الطين، ويعطي لعالمه حياة ومصائر: "ظل يحفر الوجوه علي حوائط الطين، ثم يتحدث إليها. بعد أن يعجب بها الله يمنحها أرواحا ملونة، لكنه لا يمنحها مصائر أخري غير تلك التي حفرها في لوح مسطور"... علي من يا تري يعود الضمير في "حفرها"؟! وكلما اقتربنا من نهاية النوفيللا، اطردت التساؤلات الوجودية الملحاحة علي لسان ملاك "نادية" الحائر حول الإرادة الإلهية والحكمة الكامنة في حركة العالم علي النحو الذي يتحرك به. ورغم عنونة النوفيللا بدال مكاني محدد (شارع بسادة) تدور كل الأحداث في أجوائه، فإن الراوي يحفِّز القراءة الرمزية المتجاوزة لمحدودية الأماكن نحو الإنساني العام حين يقول عن بيت الفخراني الذي يعيش فيه الولد البدين، صاحب الرؤية في النوفيللا، إنه "يتربع علي ناصية الدنيا؛ فيضع ساقا في الدرب الجديد وأخري في شارع بسادة"، وهو ما يتسق مع الطابع الوجودي لتساؤلات النوفيللا. وكعادته ينقلنا الوكيل إلي عالمه الفاتن هذا عبر لغة سرد خاصة، تهتك رصانة اللغة وتعاليها دون أن تحطم تواصليتها: "يا الله..نادية جميلة وبريئة إلي هذا الحد حتي لا تفكِّر سوي في الشيطان وعمايله السوده"، "انظر عجائب الأقدار يا جدع. فأنا ما طلعت السطوح إلا لأشوف المهرة التي تسمع صهيلها جدتي في الفجر". غير أن الأجدر بالالتفات هو (التأشيرية) العالية في لغة السرد، ذلك الحضور المكثف للدوال التي تحيل علي الزمان والمكان (هنا والآن) حاضرين كأننا علي خشبة مسرح يسيطر عليها مخرج مسرحي مهيمن، كما بدا _ مثلا _ في استهلال النص الأقرب إلي "نص مرافق" في مسرحية: "نحن في مساء الجمعة، في الثامنة والنصف، وبالتحديد في تلك اللحظة التي يصدق فيها الشيخ عبد الباسط، سنسمع بضع دقات لساعة الجامعة، ثم يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار"، و "الآن تقول لحسونة: إن يوم السوق هذا يوم خير فعلا"... لا شك أن تلك خصيصة أسلوبية مائزة تضع لبنة في حائط التفرد الأسلوبي، لكنها من الناحية الوظيفية تسهم في مزيد من الاستحضار الحميم للقراء، واستلهام ميراث الحلقات الحكائية الشفاهية. هل أشتط في التأويل حين أذكركم بأن (المسرح) كان النوع الأدبي الأول الذي أثار علي نحو راديكالي سؤال القدر والمصير، جدل الإنسان والأرباب، أحد أسئلة النوفيللا؟! أو حين أقول إن الكاتب / المخرج المسرحي أراد أن يهيمن علي عالمه كما لو كان خالقا موازيا؟! بقلم ....

دار اخبار اليوم أطبع المقال http://www.shababonline.org/shabab/pdf/show.php?id=148