الجمعة، 21 نوفمبر، 2008

محاورات عمر شهريار

حوار لجريدة الوسط الكويتية
حاورة عمر شهريار كناقد مهتم بالأعمال الروائية للروائيين الشبان ، ما رأيك فى مصطلح الكتابة الجديدة ، ومدىانضباط المصطلح ، وهل ينسحب على كل كتابات الشباب ؟
ـ الرواية الجديدة مصطلح مائع شأنه شأن زمن الرواية ، فالجدة والزمن أشياء ليست محددة ولا معيارية ، ففى كل زمن ستجد رواية يقال إنها جديدة ، كما أن التجديد ليس شيئاً واحداً ولا كليا ، إنها عمليات صغرى من الهدم والبناء تمتد فى الزمن ، والناقد عليه أن يلاحظ هذه العمليات بدلاً من الانشغال بمصطلحات كلية تختزل وعينا بالحراك الإبداعى । فالأدب ذو طبيعة تراكمية ، والمشهد الأدبى الان فى حال لم يشهدها من قبل ، فيه تعدد هائل وسيولة عجيبة تجعل أحكام القيمة بلا معنى ، وتربك أى محاولة للتصنيف ، فأنت لاتعرف من الذى يحدد قيمة العمل الأدبى ، القارىء أو التوزيع ، أم الإعلام الذى يروج لنصوص وكتاب بعينهم ، أم الناقد الذى تقوقع فى الأكاديميات ، أم الجوائز التى تمنح بدون انتقاء ومن قبيل الوجاهة الثقافية ، ونتيجة لهذه الفوضى فالكثير من الكتابات تمر بوصفها كتابة جديدة بينما يعوزها دليل على ذلك .
2ـ أنت من المهتمين بالنقد الثقافى بشكل خاص ، فما هى الفروقات بين النقد الثقافى والنقد الأدبى ؟
ـ النقد الثقافى يمارس قدرا واسعاً من التفكيك لكثير من الثوابت التى عاشت فى التاريخ بوصفها حقائق لاتقبل الشك فيما نجد أن أكثرها أوهام ، فمثلا : النقد الثقافى يكشف لنا كيف صنعنا صورة المرأة فى التاريخ بوصفها آخر أو تابعا، وعندما نكتشف سر صناعة ما فنحن نكتشف ما تنطوى عليه من مغالطات . أما النقد الأدبى فهو ابن شرعى للميتافيزيقا الغربية ووفى لها منذ أرسطو ، وهو يعمل على تثبيت قيمها دونما اعتداد بالآخر أو العالم خارجها ، فتاريخ قهر المرأة فى العالم عاش فى الميتافيزيقا الغربية ، وقد ثبتته الحداثة الغربية ضمن منظومة الثنائيات التى صنعتها مثل : الأنا والآخر والروح والجسد والعقل والمادة إلى آخره ، وهى كما ترى ثنائيات تقسم العالم إلى خير وشر أو مفضل ومفضل عليه ، وفى النقد الأدبى ستجد أن الموضوعى مفضل على الذاتى ، لكن الذات ـ فى حقيقة الأمر ـ هى مكون ثقافى ، فكيف تستطيع الثقافات غير الغربية أن تعبر عن نفسها مالم تضع اعتبارا للذاتى ، أو مالم تتعامل مع نفسها بوصفها أنا وليس آخر تابعاً كما يريد الغرب أن يرسم صورتها ؟ إن النقد الثقافى يحترم الخصوصيات الثقافية ويضع المبادرة فى يدها .فالذين أنفقوا عمرهم سدى بحثاً عن نظرية عربية للنقد ، يمكنهم أن يمارسوا نقداً عربيا من خلال النقد الثقافى ، فالنقد الثقافى ليس نظرية بل ممارسة ثقافية واسعة .
3ـ فى روايتك ( فوق الحياة قليلا ) نراك مهتما بالاشتغال على مجتمع المثقفين والأدباء ، أليس هذا تضييقاً لعالمك الروائى ؟
ـ جرت العادة أن المثقفين يكتبون عن الناس بوصفهم آخر ، وهم بهذا يؤكدون عزلتهم من ناحية ، ومن الأخرى يؤكدون تميزهم كشريحة تمتلك سلطة ما ، هاتين الفكرتين من الأوهام الكثيرة التى أحاطت المثقف ورسمت صورته حتى أصبح سجينا لها ، وعندما أكتب عن الشريحة التى أنتمى لها فأنا أكتب عن ذاتى كمثقف ، ومن ثم أفضح أوهام هذه الذات ، وبالتالى أخرجها من عزلتها ، وأنت لاتستطيع أن تكتب عن الآخرين ما لم تكسر عزلتك عنهم .أو بمعنى آخر ، أنت لاتكتب عن جماعة من المهمشين لمجرد أن تلفت الانتباه إليها ، بل لتخرجها من عزلتها ومن ناحية أخرى ، فإن مجتمع المثقفين مجتمع معقد مليء بالتناقضات ، ومن ثم فهو ثرى كمادة للكتابة ، بشرط أن تنظر إليه نظرة رأسيا لتكتشف مدى تعقد بنيتة وتجذرها فى التاريخ ، والكتابة عنه تحتاج إلى قدرة على تفكيك هذه البنية ، كما تحتاج إلى قارىء نوعى على وعى بأزمة المثقف وعلاقته بالسلطة و المجتمع بل و الكتابة نفسها . غير أن أهمية هذه الرواية ليس فقط فى تفردها بفضح مجتمع المثقفين ، بل ـ أيضا ـ فى اعتمادها طرائق سرد جديدة ، تقوم على بناء الحدث ، ثم تعمل على فضح مغالطاته عبر التناص مع أعمال وأحداث مشابهة لمثقفين معروفين ، أو عبر المحاكاة الساخرة لها ، ولذلك كان حضورى الشخصى كناقد ومبدع داخل النص ضرورة تعكس رغبتى فى كسر عزلة المؤلف (الذى هو أنا ) عن نصه ، فأنا أعتقد أن أول خطوة يقوم بها الكاتب لكسر عزلته عن مجتمعه ، هى أن يكسر عزلته عن نصه ।
4ـ فى مجموعتك مثل واحد آخر ، نراك تبنى الحدث وتفككه فى آن ، هل هذا يؤدى إلى تعقيد النص بشكل يبعده عن القارىء العام ؟
القارىء العام معنى غامض ، وكلى ، وعندما نفككه نجده يتألف من شرائح قراء مختلفين ، كل شريحة تحدد اهتمامتها وفقا لما تمتلكة من خبرة قرائية ومعرفية وجمالية ، وكلما زادت هذه الخبرة كانت الشريحة أضيق ، أى أنه ينتقل من قارىء عام إلى قارىء نوعى ، يختار ما يقرأ بإرادة وقصد ولا يقرأ كل ما يقدم له ، لكن هذه الترقى لايحدث إلا عبر تدريب وإرادة ، وفى مجتمعات تشيع فيها الأمية وتتصارع سلطات عديدة على توجيه وعى الناس فإن اكتساب قارىء نوعى عملية تنمو ببطء شديد ، وهكذا فقاعدة القراءة عندنا هى للقارىء العام ، وهناك فرق بين قارىء يختار كاتبه ، وقارىء يختاره الكاتب ويستهدفه لأى سبب حتى لو كان لمجرد البيع والتوزيع ، فالنوع الثانى هو واحد من الممارسات السلطوية التى يمارسها الكاتب بوصفه ذاتا والقراء آخرين يمكن ابتلاعهم ليسمن هو . وما نقوله للقارىء نقوله للكاتب أيضا ، فالمفترض أن الكاتب تجربته تزداد عمقاً وتعقيدا مع الخبرة ، ولكن يحدث أن كاتباً لا ينجح فى إقناع شريحة نوعية من القراء لسبب ما ، وهذا يحدث دائما فى كل زمان ومكان ، فقارىء علاء الأسوانى الآن ، لايختلف عن قارىء إحسان عبد القدوس فى زمنه ، وهو أقرب إلى مانسميه القارىء العام الذى بدأنا جميعاً منه ثم تجاوزناه ، وأنا لاأقلل من شأن هذا القارىء أو الذين يكتبون له ، لأن التعدد والتجاور بين كل المستويات مهم جدا لسلامة الحراك الأدبى لكن التطور والترقى غريزة إنسانية أيضا ، ثم دعنى أسألك سؤالاً ساذجا ، إذا كانت قيمة رواية مثل عمارة يعقوبيان مستمدة من أن قارئها عام ، فهل ـ فى المقابل ـ مؤلفها كاتب عام ؟
5ـ أنت روائى وناقد وقاص ، كيف يمكنك الجمع بين هذه التوجهات المختلفة ؟ وهل ثمة تلاقح بيتها فى وعيك ؟
اشتغالى بالنقد جاء متأخراً ،فالإبداع عندى هو الأصل و ممارستى للنقد فى البداية كانت إبداعية ، بهدف تسخين المساحة الباردة بين النقد الأكاديمى والإبداع ، كان بينهما صراع كمؤسستين قديمتين ، مؤسسة العقل والعلم فى مقابل مؤسسة الحدس والحواس ، ومنذ الحداثة مثلت نظريات الأدب سموق العقل العلمى وسطوته ، وشيئا فشيئاً أدركت أن الصراع له صبغة سياسية / سلطوية ، يتجسد فى أيهما الذى يتبع الآخر ، فالناقد والمبدع تمثيل حي للثنائيات الضدية التى تملأ حياتنا الثقافية بالعنف مثل الأنا والآخر أو التابع والمتبوع ، فالناقد يمارس سلطة على المبدع بوصفه مرجعا ، والمبدع ينظر إلى الناقد على أنه مبدع فاشل ،وأنا شخصيا أفهم أن النقد والإبداع عملية واحدة متكاملة ومتفاعلة ، عندئذ انتبهت إلى أهمية تفكيك الطابع المؤسسى الذى يجعل كل منهما مستقلاً بذاته ، وكما يقول نيتشة : إذا أردت أن تفكك مؤسسة ما لابد أن تتموضع فيها ، لهذا عكفت على دراسة نظريات الأدب ، وكانت طريقتى فى تفكيك مؤسسة النقد بمدخولات إبداعية فيها ، فى مقابل مدخولات نقدية فى مؤسسة الإبداع ، ويمكنك أن تلاحظ أننى مارست هذا فى روايتى فوق الحياة قليلاً وكذلك مجموعتى القصصية مثل واحد آخر ، ففى كل منهما كنت أقيم نسقاً إبداعيا ، ثم أعيد تفكيكه وهدمه بإجراءات شبه نقدية ، يحدث هذا داخل الخطاب السردى فيغير من معنى السرد ويكسبه مرونة وحيوية، البعض يعتبر أن هذا أفسد تجربتى الإبداعية ، لكن يبدو أنه أفسد تجارب لآخرين ، فالرواية الجديدة تتجه إلى سرد لامخملى ، خادش ومقلق لمفهوم الرواية القديم الذى وقف عنده النقد العلمى ، لهذا فأنا لا أعتبر ( فوق الحياة قليلا ) رواية بالمفهوم الاصطلاحى النقدى ، وأستطيع أن أقول أنها أربكت النقاد ، لكنها لاقت قبولاً واسعا لدى الكتاب حتى أن الكتابة على طريقتها أصبحت شائعة
6ـ كيف ترى الأزمة الدائمة بين المبدعين والنقاد وشكوى المبدعين من أن النقاد يدخلون إلى النصوص بـ ( عدة النقد ) الجاهزة ؟
هذه الشكوى مرجعها إلى الصراع المؤسسى الذى أشرت إليه ، هل الناقد يقرأ النص من خلال أدواته هو ، أم عليه أن ينصت للنص وينطلق منه ؟ أو بتعبير آخر من منهما عليه أن يتبع الآخر ، وعندما ننظر إلى النقد والإبداع بوصفهما عملية وأحدة وأن العلاقة بينهما علاقة تفاعل وليس تبعية سوف تتوقف هذه الشكوى ، ولكن مازال الناقد الأكاديمى يمارس سلطته محتميا بميتافيزيقا العقل العلمى ، وهو ينظر إلى كل ممارسة نقدية غير أكاديمية بازدراء ، هناك ضرورة أن ترحب الأكاديميات بكبار المبدعين والمثقفين من غير الأكاديمين لكى يحاضروا فيها حتى يتخلخل النمط المؤسسى المغلق للأكاديمة ، وإلاستظل مجرد معابد قديمة تخرج المزيد من الكهنة الصغار ، ونتيجة لهذا فالمبدعون الجدد لايلتفتون إلى النقاد المهنيين ، إنهم يحتفلون بأعمالهم بطرق أخرى تماما ، مثلاً : المتابعات الصغيرة على صفحات الجرائد أو التعليقات على المدونات والفيس بوك على شبكة الأنترنت ، أو حفلات التوقيع ، أو توزيع البوسترات والإعلانات فى أماكن تجمع المثقفين غير المؤسسية مثل المقاهى والبيوت الثقافية الخاصة التى انتشرت بكثرة فى وسط القاهرة ، وفى هذه الأماكن سيسمعون أراء أكثر انطباعية وحرارة وعفوية بل وأكثر تفاعلية . لكن دعنى أقول أن النمط المؤسسى للأكاديميات فى بلادنا يعجل بموته .
7ـ هل تعيش القصة القصيرة فى أزمة كما يقول البعض ، خصوصاً ولك كتاب نقدى مهم عن القصة القصيرة ؟
أنت تقصد كتاب (أفضية الذات ) ، أشكرك لوصفك له بأنه مهم ، لكن أهميته تكمن فى أنه يلفت الانتباه بقوة إلى اهتزاز عرش النقد الأكاديمى ، من خلال ممارسة عملية للتفاعل بين النقد والإبداع ، وهو أول من لفت الانتباه لتجاهل النقد لدور القصة القصيرة فى تغيير صورة الرواية الآن ، فالقصة القصيرة ومنذ نشأتها متمردة على التشكل والقولبة ، فيها مرونة مدهشة وقابلية عظيمة للتجريب ، وليس أدل على ذلك من حيرة النقاد فى تعريفها ، وهى نفسها نشأت فى أوروبا كثورة على نمطية الشكل الروائى ، ومع الوقت نجحت القصة القصيرة أن تسرب رهاناتها التقنية والشكلانية إلى الرواية فأحدثت فيها ثورة ، الآن الرواية نص مفتوح لكل الاحتمالات ، فأنت ترى شيوع أشكال سردية بينية مثل : المتتالية القصصية والنوفيلا وحلقات القص ، كما أن الرواية نفسها لم تعد سوى مجموعة موجات سردية تتابع فيما بينها بروابط فنية وموضوعية ، عموما ، فالقصة هى معمل التجريب لاستنباط طرائق جديدة من السرد ، والعلاقة بينها وبين الرواية علاقة تفاعل خصب موار ، وليست مجرد علاقة بين نوعين من جنس واحد أحدهما أفضل من الآخر ، لهذا فإهمال القصة القصيرة بدعوى أننا نعيش زمن الرواية ، هو نوع من الغباء لأنه لن يقضى على القصة فقط ، بل سيجفف منابع السرد الروائى أيضا । ويمكنك أن تلاحظ أن القصة القصيرة أكثر مغامرة فى التعاطى مع النشر الأليكترونى الآن ، فليس لديها تاريخاً من الأبنية العظيمة تخشى أن تخسرها ، بما يعنى أنها تدخل مرحلة جديدة سرعان ما تظهر ثمارها على الرواية أيضاً ।

8 ـ كروائى ثمانينى ، ماهى أهم الملامح الجمالية للرواية الثمانينية ، وماهى علاقتها بما قبلها ؟

أنا فعلا بدأت الكتابة فى الثمانينيات ، لكن إصدارى الأول كان فى بداية التسعينيات لكن سؤالك له أهمية تاريخية ، مرحلة الثمانينات فى مصر كان لها طابع خاص ، فهى بداية الخروج من شرنقة هزيمة 67 وكان مقتل السادات نهاية لمرحلة ثورة يوليو وخطابها الثقافى ، ودخولنا مرحلة ضبابية ، مربكة ، كان هناك أدباء المراثى الناصرية موجودون ، واليسار يطلق مدافعه الأخيرة قبل الوداع ، موجات أصولية تزمجر بصخب وعنف ، ودعاوى لهوية مصرية كمخرج من أزمتى الأصولية الأسلامية والعروبة المنكوبة ، وفى هذا المعترك الذى كل أبطاله من الرديكاليين بدت مصر كحديقة للديناصورات ، وبدا صوت الإبداع الأدبى خفيضاً ، وكان من الطبيعى أن نتطلع إلى مرحلة جديدة تخرجنا كمبدعين جدد من كل هذا ، تستطيع أن تقول أن عقد الثمانينيات كان مرحلة مراجعة للذات، عميقة وشاملة ، ومع بداية التسعينيات ظهرت نتائج هذه المراجعة مدفوعة بحدثين مهمين هما : غزو صدام حسين العبثى للكويت عربيا وسقوط الاتحاد السوفيتى عالميا، ومحليا كان زلزال 1992 بمثابة رمز له أثر نفسى عميق ، لم تكن هذه الأحداث بالنسبة لنا صدمات تدخلنا فى شرنقة جديدة بقدر ماكانت مكاشفة لواقع مهترىء عالميا وعربيا ومحليا وهذا معناه أننا امتلكنا وعيا جديدا يجعلنا قادرين على تجاوز أزماتنا فلا نتوقف عندها كما توقف الستينيون أمام النكسة ، عندئذ حدث الانفجار الإبداعى الذى صمت طويلا ، أنا شخصيا أصدرت مجموعتى القصصية الأولى مع بداية التسعينيات ثم مجموعتى الثانية وروايتى الأولى فى منتصفها وكتابى النقدى الأول فى آخرها ،وتستطيع أن ترى أن معظم الإنتاج الأدبى للتسعينيات لكتاب بدأوا خطواتهم الأولى فى الثمانينيات التى كانت بمثابة عنق الزجاجة ، ونجاحنا فى الخروج منها هو أهم انجاز قدمناه للأجيال التالية । ******

9ـ إذا كانت الثمانيات مرحلة مهمة كما تقول ، لماذا لم يتم الالتفات إلى جيل الثمانيات ، فقد سقطوا بين السبعينين والتسعينين ؟

كما قلت كانت الثمانينيات مرحلة صراع القوى القديمة والكبرى ، وكنا صغارا ولم يكن مسموحا لنا أن نعلن عن أنفسنا بوضوح بين هذه القوى الكبرى ، صحيح أن من سقطوا من بيننا أكثر ممن سقطوا فى أى جيل آخر نتيجة لهذه الطروف ، لكن ها أنت ترانا موجودين الآن ، لقد بقينا رغم كل شيء ، أليست هذه بطولة فى حد ذاتها ؟ لاتنسى أننا الجيل الذى خرج من حرب أكتوبر بانتصار هو الأول من نوعه . لكنى أرفض فكرة أن كل عشر سنوات يأتى جيل جديد بملامح جديدة ، إن التغيير والتجديد يحتاج وقتا فى مجتمعات تعانى القمع ،وما نسميه جيل الستينيات هو فى الحقيقة مكون من أفراد تشكل وعيهم فى الأربعينيات والخمسينيات فيما جنت الستينيات ثمار هذا الغرس ، نفس الأمر ، فالنقلة الإبداعية فى التسعينيات هى ثمار عقدين سابقين ، ولذلك أفضل استخدام كلمة المرحلة بدلا من الجيل لأنها كلمة تحمل أجيالا تنتمى لعقود متداخلة ، ولاحظ أن كل مرحلة تبدأ بحدث كبير وقد تنتهى بحدث كبير آخر ، وفى الماضى كان للأحداث المحلية والإقليمية تأثير مثل : ثورة يوليو ونكسة 67 وغزو صدام للكويت ، أما ألان ، فإن العالم أصبح قرية صغيرة ، لهذا فالأحداث العالمية مؤثرة بقوة ، كما أن التغيرات أصبحت سريعة نتيجة لتماهى حدود الزمان والمكان بفضل تكنولوجيا الاتصال ، وعلى الرغم من أن ضرب مركز التجارة العالمى وتداعياته الممتدة للآن حدث كبير أثر بقوة فى وعى هذا الجيل ، إلا أننى أزعم أن التغيرات التى حدثت نتيجة لشيوع الكمبيوتر ، ثم الهاتف لجوال أحدثت أثراً أكبر ، إن الإبداع الأدبى الآنى يستجيب بقوة لهذه المعطيات الجديدة ولاسيما أنها متداخلة بقوة كوسائط ثقافية ومعرفية ، ولم تعد الأحداث السياسية هى المؤثر الوحيد . 10 ـ فى النهاية ، ما رؤيتك للمشهد الأدبى الآنى ، وما توقعاتك له فى المستقبل ؟

المجتمعات الثقافية عموما هى أكثر المجتمعات حساسية للتطور واستقبال الجديد، والمشهد الثقافى الآنى فى مصر يعيش لحظة فوضى خلاقة وأظنه كذلك فى أماكن أخرى ، وليس لتعبير ( فوضى خلاقة ) علاقة بكوندليزا رايس ، بل بما بعد الحداثة ومظاهرها على وسائط الاتصال التكنولوجية الحديثة ، فكل شيء يحدث هنا والآن ، أى مجردا من بعدى الزمان والمكان ، ولذلك هناك قدر هائل من التعدد والتجاور سواء على مستوى الأجيال أو على مستوى اتجاهات الكتابة ، فمن المدهش أن الستينيين موجودن بقوة وبعضهم قادر على تجاوز سمات الكتابة فى جيله ، فى مقابل شباب جدد يكتبون الرواية بطريقة الخمسينيات ، وهناك جمهور يحتفى بالأثنين معا ، كما يحتفى بالكتابة على المدونات وبروايات البوح واليوميات وبالروايات العالمية المترجمة ، وصدق أو لاتصدق ، أن الشباب الذى يحتفى ببهاء طاهر هو نفسه الذى يحتفى بروايات مثل ( رز بلبن وعاوزه اتجوز ، ويوميات أثنين مخطوبين وحب فى السعودية وغيرها كثير ) كما أن القصيدة العمودية تعود من جديد وتجد شبابا يكتبونها ويدافعون عنها بعد أن ظن شعراء قصيدة النثر أنهم دفنوها إلى الأبد ، القصد ، لم تعد هناك معيارية واضحة أو ذائقة واحدة حاكمة ففى ظل مابعد الحداثة .. كله ماشى ، ويمشى جنبا إلى جنب ، لذلك فالمستقبل ، من الصعب جداً التكهن به ، على الرغم من أنه قريب جدا ، فالتغير قد يحدث كل بضعة شهور ، لكنك لاتستطيع أن تتوقع طبيعته وإلى أين يذهب بنا ، فربما ظهور برنامج كمبيوتر جديد جدير بأن يحدث تغييرا واسعاً فى طرائق التعبير الأدبى ونوعيات الكتاب والمبدعين بل والقراء أيضا ولكنى أتوقع اختفاء مصطلحات قديمة مثل : الأديب والناقد والنوع الأدبى والجيل والقارىء العام ، إلى آخرهذه المصطلحات التى شغلتنا معظم حوارنا معاً .

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2008

من أرشيف القصص

ليسـت بيضـاء تمامـاً..

لازالت تسرب رائحة البنبون الأحمر إلى صدره ، وتثير حساسية الخطايا الصغيرة ، كلما أدار شريطا بصوت المغنية القديمة ، حتى تلامس بحة صوتها شفتيه بقبلة لها رفيف الملائكة الصغيرة ، فيجالسها على حجر أبيض ويشترى لها عقد الفل ، فيما يضحك الأولاد العابثون من رأسه الحليق ، ويقول أكبرهم ..آسف يا دفعة . - أنت الوحيد الذي رأى الحسنة بين نهدى ، وهذا الجرح منك ، شريط صغير بطول سنتيمتر عند مفرق الشعر. تحسسه بطرف السبابة وقبل عينيها ، قال ..أحب ملمس حاجبيك على شفتي . - هل تذكر القهوة التي اعتاد العجوز أن يعدها لك ؟ كم عدد القبلات التي تغمرني بها أثناء ذلك ؟ وحين يرجع بالصينية البلاستيكية الصغيرة كان يمشى بحذر، ويضعها بجوارك على حافة السرير ، فتبدو ملائكياً كعادتك،وأنت تسرح فى النقوش الملونة على حواف الصينية . - أنا لا أشرب القهوة إلا من يديك يا حاج . يا للمنافق الصغير . أنت أيضاً يا حبيبتى ، وقطعة البنبون الأحمر التي تذوب بين شفتينا تشهد ، فى الحادية عشرة تماماً تحدقين فى الساعة ذات الصندوق الأبنوسى والبندول الفضي الكبير المتأرجح فوق رأس العجوز ، وتمررين مساء الخير على الجميع قبل أن تتسللى إلى سريرى ، وأنت فوق السرير تطالعك صور الأهرامات الثلاثة معكوسة على صفحة النيل ، ثمة بيوت طينية صغيرة ونخيل ، وولد يعزف الناي على الشاطئ يبدو كالأشباح . كنت على يقين من أن النيل سيعود يوماً ليمر تحت الأهرامات ، بحيث تنعكس صورتها كاملة على الماء، كلانا كان على يقين ، ففي كل مرة أسألك عن الأنين .. نشوة .. أم ألم ؟ وفى كل مرة كنت تقولين .. أشياء كهذه تعرفها بنفسك ..أنت تخجلني . أبداً لم أسبب لك أي إهانة ، فالجرسون الذي شتمنا كان يشعر بالغيرة ، لك أن تفخري بنهدين لهما تلك الاستدارة اللينة، كنت أحس ملمسها الرائع تحت لسانى ، حسنة صغيرة تزدهي فى مساحة الحليب بلونها الداكن ، هذه العلامات لا تمحى،ونتعرف بها على أجسادنا . حتى بعد تلك السنوات ، أجلس كطفل ترك الكاكاو ينسكب على صدر المريلة ، ويبرر بنبرة خافتة .. كنت صغيراً وقتها ، كنت صغيراً ولم أكن قادراً على الاحتفاظ برائحة البنبون الأحمر، كانت أثقل مما يحتمل فتى فى الثامنة عشرة ، يمكنني أن أقول أنى احتفظ بها فى كتاب . حتى الورود البيضاء يتعكر لونها فى الكتب القديمة ، والرائحة سيصيبها ذبول ما . أنت لم تعرف يوماً الفرق بين المتعة والعذاب . فى طفولتك كنت مغرماً بالرقص فوق حواف الأسوار ، فأصرخ بجد كلما خدعتني بقفزات مباغتة ..ستسقط..وكنت تضحك منى، أنا التي لا أتقن الخدع الصغيرة ناولتك يدي ، وهكذا تركتني أسقط ليشج رأسي ، وأحيا بقية العمر بجرح عند مفرق الشعر ، بالطبع مازالت الحسنة موجودة ، والعطور القديمة لم تعد تناسبني ، أنا الآن أم وزوجة لرجل ثرى ، وثمة عطور اليوم تطمس العلامات القديمة ، ويمكنها أيضا أن تطمس الروح ، فى الغربة شيء ما يتغير ، على أي حال فى الرابعة انتظر مهاتفتى كن بجوار التليفون، بالمناسبة ..هل ابنتك هي التي ردت على اليوم ؟ هل هي جميلة ؟ هل تشبه أمها ؟ على أن أقول ..دائماً تباغتني رائحة البنبون الأحمر . رأيت الأولاد على الكورنيش يمشون بجدية لا تناسبهم ، ورأيت ياسر وغادة فى مشهد نادر بعد عشرين عاماً من مشهدنا ، كل عشرين عاماً يتكرر مشهد ويختفى دون أن يترك أثراً على رصيف الكورنيش ،أي أثر يمكن أن تطأه أقدام الأولاد الجادين ، الذين يعدون بلاطات الرصيف الكبيرة ، ويحرصون ألا تلمس أقدامهم الخطوط الغائرة بينها ،ويفخرون بقدرتهم على المشي فى خط مستقيم ، ويفرحون بامتداد الرصيف اللانهائي ،ويتمنون الموت للأولاد العابثين الذين سيسخرون منهم حتماً. هل ينبغي أن أعتذر؟ حسنا .. كنت ضعيفاً وخائفاً ،وأنت تعجلت الرحيل ، والسائق لم يترك لنا فرصة الوداع ، وكان على أن أعود للحجر الأبيض ، بعد عشرين عاماً دون خوف من المعابثات العابرة . فى الرابعة سوف انتظر مهاتفتك ، سأعلق روحي بحركة عقربي الساعة الإلكترونية التي تصيبني بالتوتر ،وعند الرابعة تماماً سأكون أمام رف الكتب ، وسوف يمتلئ صدري برائحة الورق المخزون ، سأحاول أن أكون دقيقاً قدر الإمكان فى تمييز الروائح القديمة ، وفى مكاني هذا سوف أنصت بكل دقة لصوت ابنتي ، وارتبك قليلاً حين تضع سماعة الهاتف بعصبية ، وتسب بصوت عال .. هؤلاء الذين على الطرف الآخر ولا ينطقون.